كتاب منهاج المسلم

الّذينَ يعدلونَ فيِ حكمهم وأهليهم ومَا ولوْا" (¬1) . وقالَ: "سبعةٌ يظلهمُ اللّهُ فيِ ظلهِ يومَ لَا ظل إلاّ ظلهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأَ فيِ عبادةِ اللّهِ تعالَى، ورجلٌ معلّقٌ قلبهُ فيِ المساجدِ، ورجلانِ تحابَّا فيِ اللّهِ اجتمعَا عليهِ وتفرقَا عليهِ، ورجلٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ منصب وجمالٍ فقالَ: إنِّي أخافُ اللّهَ، ورجلٌ تصدّقَ بصدقةٍ فأخفاهَا حتّى لَا تعلمَ شمالهُ ما تنفقُ يمينهُ، ورجلٌ ذكرَ اللّهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ" (¬2) .

وللعدلِ مظاهرُ كثيرة يتجلى فيهَا، منهَا:
1 - العدلُ معَ اللّهِ تعالَى بأن لَا يشركَ معهُ في عبادتهِ وصفاتهِ غيرهُ، وأنْ يطاعَ فلَا يعصَى، ويذكرَ فلَا ينسَى، ويشكرَ فلَا يكفرَ.
2 - العدلُ فيِ الحكمِ بينَ النَّاسِ بإعطاءِ كلِّ ذِي حق حقَّهُ، ومَا يستحقهُ.
3 - العدلُ بينَ الزوجاتِ والأولادِ فلَا يفضَّلُ أحدٌ علَى آخرَ ولَا يؤثرُ بعضهم علَى بعضٍ.
4 - العدلُ فيِ القولِ فلَا يُشهدُ زورٌ، ولَا يقالُ كذبٌ أوْ باطلٌ.
5 - العدلُ فيِ المعتقدِ فلَا يعتقدُ غيرُ الحق والصدقِ، ولَا يثنَى الصَّدرُ علَى غيرِ مَا هوَ الحقيقةُ والواقعُ.

وهذَا مثالٌ عالٍ للعدلِ فِي الحكمِ:
بينمَا عمرُ بنُ الخطَّابِ جالسٌ، إذْ جاءهُ رجلٌ منْ أهلِ مصرَ، فقالَ: يَا أميرَ المؤمنينَ هذَا مقامُ العائذِ بكَ، فقالَ عمرُ: لقدْ عذتَ بمجيرٍ، فمَا شأنكَ؟ قالَ: سابقتُ علَى فرسٍ ابنًا لعمرِو بنِ العاصِ فسبقتهُ، فجعلَ يقمعني بسوطهِ ويقولُ: أنَا ابنُ الأكرمينَ، فبلغَ ذلكَ عمرًا أباهُ فخشيَ أنْ آتيكَ فحبسنى فيِ السِّجنِ فانطلقتُ منهُ فهذَا الحينُ جئتكَ. فكتبَ عمر بنُ الخطّابِ إلَى عمرِو بنِ العاصِ وهوَ أمير علَى مصرَ: "إذَا أتاكَ كتابي هذَا فاشهدِ الموسمَ أنتَ وولدكَ فلانٌ"، وقالَ للمصريِّ: أقم حتى يجيءَ، فقدمَ عمرو فشهدَ الحجّ، فلما قضى عمرُ الحجّ وهوَ قاعدٌ معَ النّاسِ، وعمرُو بنُ العاصِ وابنهُ إلَى جانبهِ، قامَ المصريُّ، فرمَى إليهِ عمر بالدِّرةِ وضربهُ فلم ينزعْ حتَّى أحب الحاضرونَ أنْ ينزعَ منْ كثرةِ مَا ضربهُ، وعمرُ يقولُ: اضربْ ابنَ الأكرمينَ. فقالَ: يَا أميرَ المؤمنينَ قدِ استوفيتُ واشتفيتُ. قالَ: ضعهَا علَى صلعةِ عمروٍ، قالَ: يَا أميرَ المؤمنينَ قدْ ضربتُ الّذِي ضربني، قالَ: أمَا واللّهِ لو فعلتَ مَا منعكَ أحدٌ حتّى تكونَ أنتَ الَّذِي تنزعُ، ثمَّ قالَ لعمرٍو: يَا عمرُو متَى استعبدتمُ النَّاسَ وقدْ ولدتهم أمَّهاتهم أحرارًا!.
¬__________
(¬1) رواه مسلم (18) كتاب الإِمارة.
(¬2) رواه البخاري (1/ 168) ، (2/ 138) .

الصفحة 125