كتاب منهاج المسلم
ثمرة طيِّبة للعدلِ:
منْ ثمراتِ العدلِ في الحكمِ إشاعةُ الطُّمأنينةِ في النُّفوسِ.. رويَ أنَّ قيصرَ أرسلَ إلَى عمرَ بنِ الخطابِ رسولاً لينظرَ أَحوالهُ ويشاهدَ أفعالهُ، فَلمَّا دخلَ المدينةَ سألَ عنْ عمرَ وقالَ: أينَ ملككم؟ فقالُوا: مَا لنَا ملك بلْ لنَا أمير قدْ خرجَ إلَى ظاهرِ المدينةِ، فخرجَ في طلبهِ فرآهُ نائمًا فوقَ الرملِ، وقدْ توسَّدَ درَّتهُ -وهِي عصًا صغيرة كانتْ بيدهِ يغير بهَا المنكرَ- فلمَّا رآهُ علَى هذهِ الحالِ وقعَ الخشوعُ في قلبهِ وقالَ: رجلٌ يكونُ جميعُ الملوكِ لَا يقر لهم قرار منْ هيبتهِ، وتكونُ هذهِ حالتهُ، ولكنَّكَ يا عمرُ عدلتَ فنمتَ، وملكنَا يجورُ، فلَا جرمَ أنهُ لَا يزالُ ساهرًا خائفًا!.
وأنا الاعتدالُ فإنهُ أعمُّ منَ العدلِ، فهوَ ينتظمُ كلَّ شأنٍ منْ شؤونِ المسلمِ فيِ هذهِ الحياةِ، والاعتدالُ هوَ الطَّريقُ الوسطُ بينَ الإفراطِ والتَّفريطِ وهمَا الخلقانِ الذَّميمانِ؛ فالاعتدالُ في العباداتِ أنْ تخلوَ منَ الغلو والتَّنطُّعِ والإهمالِ والتَّفريطِ، وفي النَّفقاتِ الحسنةُ بينَ السّيئتيِنَ: فلَا إسرافَ ولَا تقتيرَ، ولكنَّ القوامَ بينَ الإسرافِ والتقتيرِ. قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] . وفيِ اللباسِ، حد بينَ الفخرِ والمباهاةِ، ولباسِ الخشنِ والمرقعاتِ، وهوَ فيِ المشيِ حد وسط بينَ الاختيالِ والتكبّرِ، وبينَ المسكنةِ والتَّذلُّلِ، وهوَ فيِ كل مجالٍ وسطٌ لَا تفريطَ ولَا شططَ.
والاعتدالُ أخُو الاستقامةِ، وهِي منْ أشرفِ الفضائلِ وأسمَى الخلائقِ؛ إذْ هيَ التي توقفُ صاحبهَا دونَ حدودِ اللّهِ فلَا يتعدَّاهَا، وتنهضُ بهِ إلَى الفرائضِ فلَا يقصرُ فيِ أدائهَا، أوْ يفرطُ فيِ جزءٍ منْ أجزائهَا، وهيَ الَّتي تعلمهُ العفَّةَ فيكتفِي بمَا أحلَّ لهُ عما حرمَ عليهِ.
ويكفِي صاحبهَا شرفًا وفخرًا قولُ اللّهِ تعالَى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] . وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13 - 14] .
***
الفصلُ السَّادسُ: فِي خلقِ الرَّحمةِ
المسلمُ رحيمٌ، والرحمةُ خلقٌ منْ أخلاقهِ، إذْ منشأُ الرحمةِ صفاءُ النفسِ وطهارةُ الروحِ، والمسلمُ يإتيانهِ الخيرَ، وعملهِ الصَّالحَ، وابتعادهِ عنِ الشَّر، واجتنابهِ المفاسدَ هوَ دائمًا في طهارةِ نفسٍ وطيبِ روحٍ، ومنْ كانَ هذَا حالهُ فإنَّ الرحمةَ لَا تفارقُ قلبهُ، ولهذَا كانَ المسلَمُ يحبُّ الرحمةَ ويبذلهَا ويوصِي بهَا، ويدعُو إليهَا مصداقًا لقولهِ تعالَى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
الصفحة 126