كتاب منهاج المسلم
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 17 - 18] . وعملاً بقولِ المصطفَى - صلى الله عليه وسلم -: "إنمَا يرحمُ الله مِن عبادهِ الرحماءَ" (¬1) . وقولهِ:" ارحمُوا منْ في الأرضِ يرحمكم منْ في السماءِ" (¬2) . واسترشادًا بقولهِ عليهِ الصلاة والسلامُ: "من لَا يرحمُ لَاَ يرحمُ"، ومنْ قولهِ: "لا تنزعُ الرحمةُ إلاَّ منْ شقي" (¬3) . وتحقيقًا لقولهِ:" مثلُ المؤمنينَ فيِ توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثلِ الجسدِ إذَا اشتكَى منهُ عضو تداعَى لهُ سائر الجسدِ بالسهرِ والحمى" (¬4) .
والرحمةُ، وانْ كانتْ حقيقتهَا رقةُ القلبِ وانعطافُ النفسِ المقتضِي للمغفرةِ والإحسانِ، فإنهَا لن تكونَ دائمًا مجردَ عاطفةٍ نفسيةٍ لَا أثرَ لهَا فيِ الخارجِ، بلْ إنهَا ذاتُ آثارٍ خارجيةٍ، ومظاهرَ حقيقيةٍ تتجسمُ فيهَا في عالمِ الشهادةِ.. ومن آثارِ الرحمةِ الخارجيةِ العفوُ عَن ذِي الزلةِ، والمغفرةُ لصاحبِ الخطيئةِ، وإغاثةُ الملهوفِ، ومساعدةُ الضعيفِ، وإطعامُ الجائعِ وكسوةُ العارِي ومداواةُ المريضِ ومواساةُ الحزينِ.. كل هذهِ منْ آثارِ الرحمةِ وغيرهَا كثير.
ومنْ صور مظاهرِ الرحمةِ التِي تتجلى فيهَا وتبرزُ للحس والعيانِ مَا يلي:
1 - روَى البخاري عن أنسِ بنِ مالك - رضي الله عنه - قالَ: دخلنَا معَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - علَى أبي يوسفَ القينِ، وكانَ ظئرًا لإبراهيمَ فأخذَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إبراهيمَ ولدهُ وقبلهُ وشمَّهُ ثم دخلنَا عليهِ بعدَ ذلكَ وإبراهيمُ يجودُ بنفسهِ فجعلتْ عينَا رسولِ اللهِ تذرفانِ، فقالَ لهُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوف - رضي الله عنه -: وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟! فقالَ: "يَا ابنَ عوف إنهَا الرحمةُ! ". ثم قالَ:"إن العينَ تدمعُ والقلبَ يحزنُ، ولَا نقولُ إلاَّ مَا يرضِي ربنا، وإنا بفراقكِ يَا إبراهيمُ لمحزونونَ" (¬5) .
فزيارةُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لطفلهِ الصغيرِ وهوَ فيِ بيتِ مرضعهِ، وتقبيله إياهُ وشمهُ، ثم عيادتهُ لهُ وهوَ مريض يجودُ بنفسهِ، ثم مَا أرسلَ عليهِ منْ دموعِ الحزنِ. كل ذلكَ منْ مظاهرِ الرحمةِ فيِ القلبِ.
2 - روَى البخاري عنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أن رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "بينمَا رجل يمشِي فاشتد عليهِ العطش فنزلَ بئرًا فشربَ منهَا ثم خرِجَ فإذَا هوَ بكلب يلهثُ يأكلُ الثرى منَ العطش، فقالَ: لقدْ بلغَ بهذَا مثل الذِي بلغَ بي فملأ خفهُ ثم أمسكهُ بفيهِ، ثم رقَى فسقَى الكلبَ فشكرَ اللّهُ له فغفرَ لهُ" قالُوا: يَا رسولِ اللّهِ وإن لنَا في البهائمِ أجرًا؟. قالَ: "في كلِّ ذاتِ كبد رطبه أجرٌ" (¬6) .
فنزولُ الرجلِ فيِ البئرِ وتحملهُ مشقةَ إخراجِ الماءِ وسقيهُ الكلبَ العطشانَ، كل هذَا منْ
¬__________
(¬1) رواه البخاري (2/ 100) ، (8/ 166) .
(¬2) ذكره البيهقي في السنن الكبرى (9/ 41) .
(¬3) رواه الترمذي (1923) . ورواه أبو داود (4942) . ورواه الإمام أحمد (2/ 310، 442) .
(¬4) رواه مسلم (66) كتاب البر والصلة.
(¬5) رواه البخاري (2/ 105) .
(¬6) رواه البخاري (3/ 174) ، (8/ 11) .
الصفحة 127