كتاب منهاج المسلم

مظاهرِ رحمتهِ فيِ قلبهِ، ولولَا ذلكَ لماَ صنعَ الَّذِي صنعَ.
وبعكسهِ مَا رواهُ البخاري عنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - عنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنهُ قالَ: "عُذِّبتِ امرأةٌ فيِ هرَّةٍ حبستهَا حتَّى ماتتْ فدخلتْ فيهَا النَّارَ، وقيلَ لهَا: لَا أنتِ أطعمتيهَا ولَا سقيتيهَا حينَ حبستيهَا ولَا أنتِ أرسلتيهَا فأكلتْ منْ خشاشِ الأرضِ" (¬1) .
إِنَّ صنيعَ هذهِ المرأةِ مَظهرٌ منْ مظاهرِ قسوةِ القلوبِ وانتزاعِ الرحمةِ منهَا، والرَّحمةُ لَا تنزعُ إلاَّ منْ قلبِ شقي.
3 - روَى البخارى عنْ أبي قتادةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "إنِّي لأدخلُ في الصَّلاةِ فأريدُ إطالتهَا فأسمعُ بكاءَ الصَّبي فأتجوَّزُ مما أعلمُ منْ شدَّةِ وجدِ أمِّهِ منْ بكائهِ" (¬2) .
فعدولهُ - صلى الله عليه وسلم - عنْ إطالةِ صلاتهِ الَّتي عزمَ علَى إطالتهَا، ووَجْدُ الأمِّ منْ بكاءِ طفلهَا، مظهرٌ منْ مظاهرِ الرحمةِ التي أودعهَا اللّهُ فيِ قلوبِ الرحماءِ منْ عبادهِ.
4 - رويَ أن زينَ العابدينَ علي بنَ الحسيِن - رضي الله عنه - كانَ فيِ طريقهِ إلَى المسجدِ فسبَّهُ رجلٌ فقصدهُ غلمانهُ (¬3) ليضربوهُ ويؤذوهُ، فنهاهم وكفَّهم عنهُ رحمةً بهِ ثم قالَ: يا هذَا! أنَا أكثرُ ممَّا تقولُ، ومَا لا تعرفهُ عنِّي أكثر ممَّا تعرفهُ، فإنْ كانَ لكَ حاجةٌ فيِ ذلكَ ذكرتهُ، فخجلَ الرَّجلُ واستحيَا فخلعَ عليهِ زينُ العابدينَ قميصهُ، وأمرَ لهُ بألفِ درهمٍ.
فهذَا العفوُ وهذَا الإحسانُ لم يكونَا إلاَّ مظهرًا منْ مظاهرِ الرحمةِ الَّتي في قلبِ حفيدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
***

الفصلُ السَّابعُ: فِي خلقِ الحياءِ
المسلمُ عفيف حييٌّ، والحياءُ خلقٌ لهُ. إنٌ الحياءَ منَ الإيمانِ، والإيمانُ عقيدةُ المسلمِ وقوامُ حياتهِ، يقولُ الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ -أوْ بضعٌ وستُونَ- شعبة فأفضلهَا لَا إلهَ إلا الله، وأدناهَا إماطةُ الأذَى عنِ الطَريقِ، والحياءُ شعبةٌ منَ الإيمانِ" (¬4) . ويقولُ: "الحياءُ والإيمانُ قرناءُ جميعاً فإذَا رُفعَ أحدهمَا رفعِ الآخرُ" (¬5) . وسرُّ كونِ الحياءِ منَ الإيمانِ أنَّ كلًّا منهمَا داعٍ إلَى الخيرِ صارفٌ عنِ الشٌر مبعِدٌ عنهُ، فالإيمانُ يبعثُ المؤمنَ علَى فعلِ الطاعاتِ وتركِ
¬__________
(¬1) رواه البخاري (54) كتاب الأنبياء، ومسلم (151، 152) كتاب السلام.
(¬2) رواه البخاري (709) .
(¬3) جَمعُ غلَام، وَهُوَ الخادمُ.
(¬4) رواه مسلم في الإِيمان (58) .
(¬5) رواه الحاكم (1/ 2) وصححه على شرط الشيخين.

الصفحة 128