كتاب منهاج المسلم
المعاصي، والحياءُ يمنعُ صاحبهُ منَ التقصيرِ فيِ الشُّكرِ للمنعمِ، ومنَ التفريطِ في حقِّ ذِي الحقِّ، كمَا يمنعُ الحييَّ منْ فعلِ القبيحِ أوْ قولهِ اتِّقاءً للذمِّ والملامةِ. ومنْ هنَا كانَ الحياَءُ خيرًا، ولَا يأتي إلاَّ بالخيرِ كمَا صح ذلكَ عنْ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فيِ قولهِ: "الحياءُ لَا يأتي إلاَّ بخيرٍ" (¬1) . وقولهِ فيِ روايةِ مسلم: "الحياءُ خير كلُّهُ".
ونقيضُ الحياءِ البذاءُ، والبذاءُ فحشٌ فيِ القولِ والفعلِ، وجفاءٌ فيِ الكلامِ، والمسلمُ لَا يكونُ فاحشًا ولَا متفحِّشًا، ولَا غليظًا ولَا جافيًا، إذْ هذهِ صفاتُ أهلِ النّارِ، والمسلمُ منْ أهلِ الجنةِ -إنْ شاءَ اللّهُ- فلَا يكونُ منْ أخلاقهِ البذاءُ ولَا الجفاءُ، وشاهدُ هذَا قولُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحياءُ منَ الإيمانِ والإيمانُ فيِ الجنةِ، والبذاءُ منَ الجفاءِ والجفاءُ فيِ النارِ" (¬2) .
وأسوةُ المسلِم في هذَا الخلقِ الفاضلِ الكريمِ رسولُ اللهِ سيدُ الأولينَ والآخرينَ. إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - أشد حياءً منْ العذرَاءِ فيِ خدرهَا كمَا روَى ذلكَ البخاري عنْ أبي سعيد وقالَ فيهِ: فإذَا رأى شيئًا يكرههُ عرفناهُ في وجههِ.
والمسلمُ إذْ يدعُو إلَى المحافظةِ علَى خلقِ الحياءِ في النَّاسِ وتنميتهِ فيهم إنمَا يدعُو إلَى خير ويرشدُ إلَى برًّ؛ إذِ الحياءُ منَ الإيمانِ والإيمانُ مجمعُ كَلِّ الفضائلِ، وعنصرُ كل الخيرات. وفيِ الصّحيحِ أن رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يعظُ أخاهُ في الحياءِ، فقالَ: "دعهُ فإنّ الحياءَ منَ الإيمانِ" (¬3) . فدعَا بذلكَ - صلى الله عليه وسلم - إلَى الإبقاءِ علَى الحياءَ فيِ المسلمِ، ونهَى عن إزالتهِ، ولو منعَ صاحبهُ منَ استيفاءِ بعضِ حقوقهِ؛ إذْ ضياعُ بعضِ حقوقِ المرء خير لهُ من أنْ يفقدَ الحياءَ الذِي هوَ جزءُ إيمانهِ وميزةُ إنسانيتهِ، ومعينُ خيريّتهِ. ورحمَ اللّهُ امرأةً كانتْ قدْ فقدتْ طفلهَا فوقفتْ علَى قوم تسألهم عنْ طفلهَا، فقالَ أحدهم: تسألُ عنْ ولدهَا وهيَ منتقبةٌ؟ فسمعتهُ فقالتْ: لأنْ أُرزأ فيِ ولدِي خيرٌ منْ أنْ أُرزأَ في حيائي أيُّهَا الرجلُ (¬4) .
وخلقُ الحياءِ فيِ المسلمِ غيرُ مانع لهُ أنْ يقولَ حقًّا أوْ يطلبَ علمًا، أوْ يأمرَ بمعروفٍ أوْ ينهَى عنْ منكر، فقدْ شفعَ مرةً عندَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أسامةُ بنُ زيدٍ -حِب رسولِ اللّهِ وابنُ حِبِّهِ- فلم يمنعِ الحياءُ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يقولَ لأسامةَ في غضبٍ: "أتشفعُ في حد منُ حدودِ اللهِ يَا أسامةُ؟! واللهِ لو سرقتْ فلانةُ لقطعتُ يدهَا" (¬5) .
¬__________
(¬1) رواه البخاري (8/ 35) . ورواه مسلم في الإِيمان (60) .
(¬2) رواه مسلم في الإيمان (59) . ورواه الإمام أحمد (912، 501) بسند صحيح. ومعنى الجفاء في النار: أن صاحبه في النار كما أن صاحب الإِيمان في الجنة.
(¬3) رواه البخاري (1/ 12) ، (8/ 35) . ورواه أبو داود (4795) . ورواه النسائي (8/ 121) .
(¬4) رواه أبو داود (2488) .
(¬5) رواه البخاري (4/ 213) . ورواه أبو داود (4373) . ورواه الترمذي (1430) .
الصفحة 129