كتاب منهاج المسلم

ولمْ يمنعِ الحياءُ أمّ سليمٍ الأنصاريّةَ أنْ تقولَ: يَا رسولَ اللّهِ إنَّ اللّهَ لَا يستحِي منَ الحقِّ فهلْ علَى المرأةِ منْ غسلٍ إذَا هيَ احتلمتْ؟ فيقولُ لهَا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -ولم يمنعهُ الحياءُ-: "نعمْ إذَا رأتِ الماءَ" (¬1) . وخطبَ عمرُ مرة فعرضَ لغلاءِ المهورِ فقالتْ لهُ امرأةٌ: أيعطينَا اللّهُ وتمنعنَا يَا عمرُ، ألم يقلِ اللّهُ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] .
فلم يمنعهَا الحياءُ أنْ تدافعَ عنْ حق نسائهَا، ولم يمنعْ عمرَ أنْ يقولَ معتذرًا: كلّ النَّاسِ أفقهُ منكَ يَا عمر!!. كمَا خطبَ مرةً فيِ المسلمينَ وعليهِ ثوبانِ فأمرَ بالسَّمعِ والطَّاعةِ فنطقَ أحدُ المسلمينَ قائلًا: فلَا سمعَ ولَا طاعةَ يا عمر، عليكَ ثوبانِ وعلينَا ثوبٌ واحدٌ. فنادَى عمر بأعلَى صوتهِ: يَا عبدَ اللّهِ بنَ عمرَ! فأجابهُ ولدهُ: لبيكَ أبتاهُ! فقالَ لهُ: أنشدكَ اللّهَ أليسَ أحدُ ثوبيَّ هوَ ثوبكَ أعطيتنيهِ؟ قالَ: بلَى واللّهِ، فقالَ الرَجلُ: الآنَ نسمعُ ونطيعُ يَا عمر.. فانظر كيفَ لم يمنعِ الحياءُ الرجلَ أنْ يقولَ، ولَا عمرَ أنْ يعترفَ.
والمسلمُ كمَا يستحِي منَ الخَلقِ فلَا يكشفُ لهم عورةً، ولَا يقصِّر فيِ حق وجبَ لهم عليهِ، ولَا ينكرُ معروفا أسدوهُ إليهِ.. لَا يخاطبهم بسوءٍ ولَا يجابههم بمكروهٍ، فهوَ يستحِي منَ الخالقَ فلَا يقصِّر فيِ طاعتهِ، ولَا فيِ شكرِ نعمتهِ، وذلكَ لماَ يرَى منْ قدرتهِ عليهِ، وعلمهِ بهِ، متمثِّلاً قولَ ابنِ مسعودٍ: استحيُوا منَ اللهِ حق الحياءِ فاحفظُوا الرأسَ ومَا وعَى، والبطنَ ومَا حوَى، واذكرُوا الموتَ والبلَى (¬2) . وقولَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - "فاللّهُ أحقُّ أنْ يستحيَا منهُ منَ النّاسِ" (¬3) .
***

الفصلُ الثَامنُ: فِي خلقِ الإحسانِ
المسلمُ لَا ينظرُ إلَى الإحسانِ، وأنَّهُ خلقٌ فاضلٌ يجملُ التَّخلُّقُ بهِ فحسبُ، بلْ ينظرُ إليهِ وأنَّهُ جزءٌ منْ عقيدتهِ، وشقصٌ كبيرٌ منْ إسلامهِ، إذِ الدِّينُ الإسلاميُ مبناهُ علَى ثلاثةِ أمورِ وهيَ: الإيمان، والإسلامُ، والإحسانُ، كما جاءَ ذلكَ فيِ بيانِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لجبريلَ عليه السلام فيِ الحديثِ المتَّفقِ عليهِ لما سألهُ عنِ الإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ وقالَ عقبَ انصرافهِ: "هذَا جبريلُ أتاكم ليعلمكم أمرَ دينكم" فسمى الثلاثةَ دينًا، وقدْ أمرَ اللّهُ سبحانهُ بالإحسانِ فيِ غيرِ
¬__________
(¬1) رواه البخاري (1/ 78) ، (4/ 160) .
(¬2) أخرجهُ المنذري مرفوعاً ورجَّحَ وقفهُ علَى ابنَ مسعود - صلى الله عليه وسلم -.
(¬3) الحديث رواه أبُو داودَ (4017) . والترمذي (2794) وتمامُ الحديثِ: عنْ أبي هريرةَ قالَ: قلتُ: يَا رسول الله عوراتنَا ما نأتي منهَا ومَا نذرُ؟ قالَ: "احفظْ عورتكَ إلا منْ زوجتكَ أو مَا ملكت يمينكَ قلتُ: يَا نبي الله إذا كان القومُ بعضهم في بعض؟ قالَ: "إن استطعتَ أنْ لَا يراهَا أحد فلَا يرينهَا" قلتُ: إذَا كانَ أحدنَا خاليا؟ قال: "فاللهُ أحق أنْ يستحيَا منهُ الناسِ".

الصفحة 130