كتاب منهاج المسلم

موضع منْ كتابهِ الكريمِ إذْ قالَ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] . وقالَ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] . وقالَ سبحانهُ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] . وقالَ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] .
وقالَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذَا قتلتم فأحسنُوا القتلةَ وإذَا ذبحتم فأحسنُوا الذِّبحةَ، وليحدّ أحدكم شفرتهُ، وليرحْ ذبيحتهُ" (¬1) .
والإحسانُ فيِ باب العباداتِ: أنْ تؤدَّىَ العبادةُ أيًّا كانَ نوعهَا منْ صلاة، أو صيام، أوْ حجّ أوْ غيرهَا أداءً صحيحًا، باستكمالِ شروطهَا وأركانهَا واستيفاءِ سننهَا وآدابهَا، وهذَا مَا لَا يتم للعبدِ إلاَّ إذَا كانَ حالَ أدائهِ للعبادةِ يستغرقُ في شعور قوي بمراقبةِ اللّهِ عز وجل حتى لكانهُ يراهُ تعالَى ويشاهدهُ، أوْ علَى الأقلِّ يُشعر نفسهُ بأن اللّهَ تعالَى مطلعٌ عليهِ ناظرٌ إليهِ. فبهذَا وحدهُ يمكنهُ أنْ يحسنَ عبادتهُ ويتقنهَا، فيأتيَ بهَا علَى الوجهِ المطلوب، والصُّورةِ الكاملةِ لهَا، وهذَا مَا أرشدَ إليهِ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فعز وجل فيِ قوله: "الإحسانُ أنْ تعبدَ اللّهَ كأنّكَ تراهُ، فإنْ لم تكن تراهُ فإنه يراكَ" (¬2) .
وأمَّا الإحسانُ فيِ بابِ المعاملاتِ: فهوَ للوالدينِ: ببرهمَا الّذِي هوَ طاعتهمَا، وإيصالُ الخيرِ إليهمَا، وكف الأذَى عنهمَا، والدعاءُ والاستغفارُ لهمَا، وإنفاذُ عهدهمَا، وإكرامُ صديقهمَا.
وهوَ للأقاربِ: ببرِّهم ورحمتهم، والعطفِ والحدبِ عليهم، وفعلِ مَا يجملُ فعلهُ معهم، وتركِ مَا يسيءُ إليهم، أوْ يقبحُ قولهُ أوْ فعلهُ معهم.
وهوَ لليتامَى: بالمحافظةِ علَى أموالهم، وصيانةِ حقوقهم، وتأديبهم وتربيتهم وتركِ أذاهمْ، وعدمِ قهرهم، وبالهشِّ فيِ وجوههمْ، والمسحِ علَى رؤوسهمْ.
وهوَ للمساكينِ: بسدِّ جوعتهم، وسترِ عورتهم؛ بالحثِّ علَى إطعامهم وعدمِ المساسِ بكرامتهم فلَا يُحتقرونَ ولَا يزدرونَ، ولَا يُنالونَ بسوء أوْ يمشونَ بمكروهٍ.
وهوَ لابنِ السبيلِ: بقضاءِ حاجتهِ، وسدِّ خلتهِ، ورعايةِ مالهِ، وصيانةِ كرامتهِ، وبإرشادهِ إنْ استرشدَ، وهدايتهِ إنْ ضل.
وهوَ للخادمِ: بإتيانهِ أجرَهُ قبلَ أنْ يجف عرقهُ، وبعدمِ إلزامهِ مَا لَا يلزمهُ أوْ تكليفهِ بمِا لَا يطيقُ، وبصونِ كرامتهِ، واحترامِ شخصيتهِ، فإنْ كانَ منْ خدمِ البيتِ فبإطعامهِ مما يطعمُ أهلهُ، وكسوتهِ ممّا يكسونَ، وهوَ لعمومِ الناسِ بالتّلطُّفِ فيِ القولِ لهم، ومجاملتهم فيِ المعاملةِ والمخاطبةِ بعدَ
¬__________
(¬1) رواه مسلم (57) كتاب الذبائح.
(¬2) رواه البخاري (6/ 144) .

الصفحة 131