كتاب منهاج المسلم
أمرهم بالمعروفِ ونهيهم عنِ المنكرِ، وبإرشادِ ضالهم، وتعليمِ جاهلهم وبإنصافهم منْ النَّفسِ، والاعترافِ بحقوقهم، وبكفِّ الأذَى عنهم وبعدمِ ارتكابِ مَا يضرهم أوْ فعلِ مَا يؤذيهم.
وهوَ للحيوانِ: بإطعامهِ إنْ جاعَ، ومداواتهِ إنْ مرضَ، وبعدمِ تكليفهِ ما لَا يطيقُ وحملهِ علَى مَا لَا يقدرُ، وبالرفقِ بهِ إنْ عملَ، وإراحتهِ إنْ تعبَ.
وهوَ فيِ الأعمالِ البدنيةِ: بإجادةِ العملِ، وإتقانِ الصَّنعةِ، وبتخليصِ سائرِ الأعمالِ منْ الغش وقوفًا عندَ قولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيِ الصَّحيحِ: "منْ غشنَا فليسَ منَّا" (¬1) .
ومن مظاهرِ الإحسانِ مَا يِلي:
1 - لماَّ فعلَ المشركونَ بالنَّبي - صلى الله عليه وسلم - مَا فعلُوا يومَ أحد منْ قتلِ عمِّهِ والتَّمثيلِ بهِ، ومنْ كسرِ رباعيتهِ، وشجِّ وجههِ طلبَ إليهِ أحدُ الأصحابِ أنْ يدعوَ علَى المشركينَ الظَّالمينَ فقالَ: "اللهمَّ اغفر لقومِي فإنهم لَا يعلمونَ".
2 - قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز يومًا لجاريتهِ: روحيني حتَّى أنامَ فروَّحتهُ فنامَ، وغلبهَا النَّومُ فنامتْ فلما انتبهَ أخذَ المروحةَ يروحهَا، فلما انتبهتْ ورأتهُ يروِّحهَا صاحتْ! فقالَ: إنَّمَا أنتِ بشر مثلي أصابكِ منْ الحر مَا أصابنَي فأحببتُ أنْ أروحكِ كمَا روَّحتني.
3 - غاظَ أحدَ السلفِ غلامٌ لهُ غيظًا شديدًا فهم بالانتقامِ منهُ. فقالَ الغلامُ: والكاظمينَ الغيظَ، فقالَ الرجلُ: كظمتُ غيظِي، فقالَ الغلامُ: والعافينَ عنِ النَّاسِ، فقالَ: عفوتُ عنكَ، فقالَ الغلامُ: واللّهُ يحبُّ المحسنينَ، فقالَ: اذهب فأنتَ حرٌّ لوجهِ اللّهِ تعالى.
الفصلُ التَّاسعُ: فِي خلقِ الصدّقِ
المسلمُ صادقٌ، يحبُّ الصدقَ ويلتزمهُ ظاهرًا وباطنًا في أقوالهِ وفيِ أفعالهِ؛ إذِ الصِّدق يهدِي إلَى البر، والبر يهدِي إلَى الجنةِ، والجنةُ أسمَى غاياتِ المسلمِ وأقصَى أمانيهِ، والكذبُ -وهوَ خلافُ الصِّدقِ وضدُّهُ- يهدِي إلَى الفجورِ، والفجورُ يهدِي إلَى النَّارِ، والنَّارُ منْ شر مَا يخافهُ المسلمُ ويتقيهِ.
والمسلمُ لَا ينظرُ إلَى الصدق كَخُلُقٍ فاضل يجبُ التَّخلُّقُ بهِ لَا غيرَ، بلْ إنَّهُ يذهبُ إلَى أبعدَ منْ ذلكَ، يذهبُ إلَى أنَّ الصدقِ منْ متمِّماتِ إيمانهِ، ومكمِّلاتِ إسلامهِ، إذْ أمرَ اللّهُ تعالَى بهِ، وأثنَى علَى المتَّصفينَ بهِ، كمَا أمرَ بهِ رسولهُ وحث عليهِ ودعَا إليهِ قالَ تعالَى فيِ الأمرِ بهِ:
¬__________
(¬1) رواه مسلم في كتاب الإيمان (164) ومسند أحمد (3/ 498) .
الصفحة 132