كتاب منهاج المسلم

فيِ عملهِ غيرَ ملتفتٍ إلَى شيءٍ، أوْ مبالٍ بآخرَ حتَّى ينجزَ عملهُ.
4 - فيِ صدقِ الوعدِ.. فالمسلم إذَا وعدَ أحَدًا أنجزَ لهُ مَا وعدهُ بهِ؛ إذْ خلف الوعدِ منْ آياتِ النِّفاقِ كمَا سبقَ فيِ الحديث الشَّريفِ.
5 - فِي صدقِ الحال.. فالمسلمُ لَا يظهرُ في غيرِ مظهرهِ، ولَا يظهرُ خلافَ مَا يبطنهُ، فلَا يلبسُ ثوبَ زورٍ، لَا يرائي، ولَا يتكلَّفُ مَا ليس لهُ لقولْ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "المتشبعُ بمَا لم يعطَ كلابسِ ثوبي زورٍ" (¬1) . ومعنَى هذَا أنَّ المتزينَ والمتجمِّلَ بمَا لَا يملكُ ليرَى أنَّهُ غنيٌّ يكونُ كمنْ يلبسُ ثوبين خلقيِن ليتظاهرَ بالزُّهدِ وهوَ ليسَ بزاهدٍ ولَا متقشفٍ.

ومن أمثلةِ الصِّدقِ الرَّفيعةِ مَا يأتي:
1 - روَى التِّرمذي عنْ عبدِ اللّهِ بنِ الحمساءِ قالَ: بايعتُ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ببيع قبلَ أنْ يبعثَ، وبقيتْ لهُ بقية فوعدتهُ أنْ آتيهِ بهَا فيِ مكانهِ فنسيتُ ثمَّ ذكرتُ بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ فجئتُ فإذَا هوَ فيِ مكانهِ فقالَ: "يَا فتَى لقدْ شققتَ علي أنَا هَا هنَا منذُ ثلاثٍ أنتظركَ".
ومثلُ هذَا الَّذِي حصلَ لنبينَا عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ قدْ حصلَ لجدهِ الأعلَى إسماعيل بنِ إبراهيمَ الخليلِ حتَّى أثنَى اللّهُ تعالَى عليهِ فيِ كتابهِ العزيزِ بقولهِ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 54] .
2 - خطبَ الحجَّاجُ بنُ يوسفَ يومًا، فأطالَ الخطبةَ فقالَ أحدُ الحاضرينَ: الصَّلاةَ! فإنَّ الوقتَ لَا ينتظركَ، والربُّ لَا يعذركَ، فأمرَ بحبسهِ. فأتاهُ قومهُ وزعَموا أنَّ الرَّجلَ مجنونٌ.
فقالَ الحجاجُ: إنْ أقر بالجنونِ خلَّصتهُ منْ سجنهِ، فقالَ الرَجلُ: لَا يسوغُ لي أنْ أجحدَ نعمةَ اللّهِ التي أنعمَ بهَا عليَّ وأثبتُ لنفسِي صفةَ الجنونِ الَّتي نزَّهني اللّهُ عنهَا، فلمَّا رأَى الحجَّاجُ صدقهُ خلى سبيلهُ.
3 - روَى الإمامُ البخاريُّ رحمهُ اللّهُ تعالَى، أنَّه خرجَ يطلبُ الحديث منْ رجلٍ فرآهُ قدْ هربت فرسهُ، وهوَ يشير إليهَا برداءٍ كأنَّ فيهِ شعيرًا فجاءتهُ فأخذهَا، فقالَ البخاريُّ: أكانَ معكَ شعيرٌ؟ فقالَ الرَّجلُ: لَا. ولكنْ أوهمتهَا، فقالَ البخاري: لَا آخذُ الحديث ممَّنْ يكذبُ علَى البهائمِ. فكانَ هذَا منْ البخاري مثلًا عاليًا فيِ مجالِ الصَّدقِ.
***
¬__________
(¬1) رواه مسلم (126، 127) كتاب اللباس.

الصفحة 134