كتاب منهاج المسلم
الفصلُ العاشر: فِي خلقِ السَّخاءِ والكرمِ
السخاءُ خلقُ المسلمِ، والكرمُ شيمتهُ، والمسلمُ لَا يكونُ شحيحاً ولَا بخيلاً، إذِ الشحُّ والبخلُ خلقانِ ذميمانِ منشؤهمَا خبثُ النَّفسِ وظلمةُ القلبِ، والمسلمُ بإيمانهِ وعملهِ الصَّالحِ نفسهُ طاهرةٌ وقلبهُ مشرق، فيتنافَى معَ طهارةِ نفسهِ، وإشراقِ قلبهِ وَصْفُ الشّحِّ والبخلِ فلَا يكونُ المسلمُ شحيحا ولَا بخيلًا.
والشُّحُّ وإنْ كانَ مرضً قلبيًّا عامّا لَا يسلمُ منهُ البشر؛ إلاَّ أنَّ المسلمَ بإيمانهِ وعملهِ الصّالحِ كالزكاةِ والصّلاةِ يقيهِ اللّهُ تعالَى شر هذَا الداءِ الوبيلِ ليعدّهُ للفلاحِ، ويهيِّئهُ للفوزِ الأخرويِّ.
قالَ اللّهُ تعالَى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج] . وقالَ تعالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] . وقالَ سبحانهُ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
ولما كانتِ الأخلاقُ الفاضلةُ مكتسبة بنوعٍ منَ الرياضةِ والتَّربيةِ فإنَّ المسلمَ يعملُ علَى تنميةِ الخلقِ الفاضلِ الَّذِي يريدُ أنْ يتخلقَ بهِ بإيرادِ خاطرهِ على مَا وردَ فيِ الشَّرعِ الحكيمِ منْ ترغيبٍ في ذلكَ الخلقِ، وترهيب منْ ضدِّهِ، فلتنميةِ خلقِ السخاءِ في نفسهِ يعكفُ قلبهُ متأمِّلًا متدبِّرًا علَى مثلِ قولهِ تعالَى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) } [المنافقون: 10] وقولهِ سبحانهُ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل] . وقولهِ: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 10] . وقولهِ سبحانهُ: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] . وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّهَ جوادٌ يحب الجودَ، ويحب مكارمَ الأخلاقِ ويكرهُ سفسافهَا" (¬1) . وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "لَا حسَد إلاَّ فيِ اثنتين: رجل آتاهُ اللهُ مالًا فسلَّطهُ علَى هلكتهِ فيِ الحقِّ، ورجل آتاهُ اللَّهُ الحكمةَ فهوَ يقضِي بهَا ويعلِّمهَا" (¬2) . وقولهِ: "أيُّكم مالُ وارثهِ أحبُّ إليه منْ مالهِ؟. قالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ ما منَّا أحدٌ
¬__________
(¬1) ذكره ابن حجر في فتح الباري (1/ 30) . وذكر في كنز العمال (37507) . وذكره السيوطي في جمع الجوامع (4784) .
(¬2) رواه البخاري (1/ 28) ، (2/ 134) .
الصفحة 135