كتاب منهاج المسلم
منْ معاصِي اللّهِ ورسولهِ، قالَ تعالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160]. فمرتكبُ الكبيرةِ منَ الإثمِ والفواحشِ هوَ ظالم لنفسهِ؛ إذْ عرضهَا لماَ يؤثرُ فيهَا منَ الخبثِ والظلمةِ فتصبحُ بهِ أهلًا للعنةِ اللّهِ، والبعدِ منهُ تعالَى.
ب- الحسدُ:
المسلمُ لَا يحسدُ ولَا يكونُ الحسدُ خلقًا لهُ ولَا وصفًا فيهِ مَا دامَ يحب الخيرَ للجميعِ ويؤثرُ علَى نفسهِ فيهِ، إذِ الحسدُ منافٍ لذينكِ الخلقينِ الكريميِن: حبِّ الخيرِ، والإيثارِ فيهِ.
والمسلمُ يبغضُ خلقَ الحسدِ ويمقتُ عليهِ؛ لأن الحسدَ اعتراضٌ علَى قسمةِ اللّهِ فضلهُ بينَ خلقهِ، قالَ تعالَى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54]. وقالَ تعالَى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32].
والحسدُ قسمانِ: أوَّلهمَا: أنْ يتمنى المرءُ زوالَ النعمةِ منْ مالٍ أوْ علمٍ أوْ جاهٍ أوْ سلطانٍ عنْ غيرهِ لتحصلَ لهُ .. وثانيهمَا: وهوَ شرهمَا، أنْ يتمنى زوالَ النِّعمةِ عنْ غيرهِ ولو لم تحصلْ لهُ ولم يظفر بهَا.
وليسَ منَ الحسدِ الغبطةُ؛ وهوَ تمنِّي حصولِ نعمةٍ مثلِ نعمةِ غيرهِ منْ علمٍ أوْ مالٍ أوْ صلاح حالٍ بدونِ تمنِّي زوالهَا عنْ غيرهِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا حسدَ إلاَّ فيِ اثنتينِ: رجلٌ آتأهُ اللّهُ مالاً فسلطهُ علَى هلكتهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاهُ اللّهُ الحكمةَ فهوَ يقضِي بهَا ويعلِّمهَا" (¬1). والمرادُ بالحكمةِ هنَا القرآنُ الكريمُ والسنَّةُ النَّبويةُ.
والحسدُ بقسميهِ محرَّمٌ تحريمًا قطعيًّا، فلَا يحلُّ لأحدٍ أنْ يحسدَ أحدًا، قالَ تعالَى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وقالَ: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109].
وقالَ: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5]. فذم اللهِ تعالَى لهذَا الخلقِ الذَّميمِ مقتضٍ تحريمه لهُ ونهيهُ عنهُ.
وقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تباغضوا، ولَا تحاسدُوا، ولَا تدابروا، ولَا تقاطعُوا، وكونُوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا، فلَا يحل لمسلمٍ أنْ يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ" (¬2). وقالَ: "إياكم والحسدَ؛ فإن الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كمَا تأكلُ النَّارُ الحطبَ -أوِ العشبَ" (¬3).
¬__________
(¬1) رواه البخاري (1/ 28)، (2/ 134).
(¬2) رواه البخاري (8/ 23، 25)، ورواه مسلم (7) كتاب البر والصلة، ورواه أبو داود (4910).
(¬3) رواه أبو داود (51) الأدب.
الصفحة 141