كتاب منهاج المسلم
والمسلمُ إنْ خطرَ لهُ خاطر الحسدِ بحكمِ بشريَّتهِ وعدمِ عصمتهِ قاومهُ بدفعهِ منْ نفسهِ، وكراهيتهِ لهُ حتَّى لَا يصيرَ هما أوْ عزيمة لهُ فيقولَ بموجبهِ أوْ يعملَ فيهلكَ، وإنْ أعجبهُ الشَّيءُ قالَ: مَا شاءَ اللّهُ لَا قوَّةَ إلاَّ باللّهِ، وبذلكَ لَا يؤثِّرُ فيهِ ويسلمُ.
ج- الغش:
المسلمُ يدينُ للّهِ تعالَى بالنصيحةِ لكل مسلمٍ، ويعيشُ عليهَا، فليسَ لهُ أنْ يغشَّ أحدًا، أوْ يغدرَ أوْ يخونَ؛ إذِ الغشُّ والخيانةُ والغدرُ صفاتٌ ذميمةٌ قبيحةٌ في المرء، والقبحُ لَا يكونُ خلقًا للمسلمِ ولَا وصفًا لهُ بحالٍ منَ الأحوالِ، إذْ طهارةُ نفسهِ المكتسبةُ منَ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ تتنافَى معَ هذهِ الخلائقِ الذَّميمةِ والَّتي هيَ شرٌّ محضٌ لَا خيرَ فيهَا، والمسلمُ قريبٌ منَ الخيرِ بعيدٌ عنَ الشَّر.
ولخلقِ الغش الذميمِ حقائقُ نبينهَا فيمَا يِلي:
1 - أنْ يزينَ المرءُ لأخيهِ القبيحَ، أوِ الشَّرَّ أوِ الفسادَ ليقعَ فيهِ.
2 - أنْ يريهُ ظاهرَ الشَّيءِ الطَّيبَ الصَّالحَ، ويخفِي عليهِ باطنَهُ الخبيثَ الفاسدَ.
3 - أنْ يظهرَ لهُ خلافَ مَا يضمرهُ ويسرهُ؛ تغريرًا بهِ وخديعةً لهُ وغشًّا.
4 - أنْ يعمدَ إلَى إفسادِ مالهِ عليهِ، أوْ زوجهِ أوْ ولدهِ، أوْ خادمهِ، أوْ صديقهِ بالوقيعةِ فيهِ والنَّميمةِ.
5 - أنْ يعاهدَ علَى حفظِ نفس أوْ مالٍ أوْ كتمانِ سر ثمَّ يخونهُ ويغدرَ.
والمسلمُ فيِ تجنُّبهِ للغش والغدرِ والخيانةِ هوَ مطيعٌ للّهِ ورسولهِ؛ إذْ هذهِ الثَّلاثةُ محرمةٌ بكتابِ اللّهِ وسنَّةِ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ اللهُ تعالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]. وقالَ عز وجل: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]. وقالَ سبحانهُ وتعالَى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
وقالَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ خبَّبَ -أفسدَ- زوجةَ امرئٍ، أوْ مملوكَهُ -خادمهُ- فليسَ منَّا" (¬1). وقالَ: "أربعٌ منْ كنَّ فيهِ كانَ منافقًا خالصًا، ومنْ كانَ فيهِ خصلةٌ منهنَّ كانَ فيهِ خصلةٌ منَ النفاقِ حتَّى يدعهَا: إذَا اؤتمنَ خانَ، وإذَا حدَّثَ كذبَ، وإذَا عاهدَ غدرَ، وإذَا خاصمَ فجرَ" (¬2). وقالَ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ مرَّ علَى صبرةِ -كيسٌ كبيرٌ - طعام فأدخلَ يدهُ فنالتْ أصابعهُ بللاً فقالَ: "مَا هذَا يَا صاحب الطَّعامَ؟ " قالَ: أصابتهُ السَّماءُ -المطرُ- يَا رسولَ اللّهِ، قالَ:
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (4883).
(¬2) رواه البخاري (1/ 15)، (3/ 173). ورواه مسلم (106) كتاب الإِيمان.
الصفحة 142