كتاب منهاج المسلم

همَا منْ أكبرِ العوائقِ عنْ الكمالِ، ومنْ أعظمِ المهالكِ في الحالِ والمآلِ، فكم منْ نعمةٍ انقلبتْ بهمَا نقمةً، وكم منْ عز صيَّراهُ ذلاً، وكم منْ قوةٍ أحالَاهَا ضعفًا، فكفَى بهمَا داءً عضالًا، وكفَى بهمَا علَى صاحبهمَا وبالاً، فلذَا حذرهمَا المسلمُ وخافهمَا، ولهذَا جاءَ الكتابُ والسُّنَّةُ بتحريمهمَا، والتَّنفيرِ والتحذيرِ منهمَا قالَ اللّهُ تعالَى: {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14]. وقالَ: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]. وقالَ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25]. وقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوىً متَّبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسهِ" (¬1).
وقالَ: "إذَا رأيتَ شحًّا مطاعًا، وهوىً متبعًا، وإعجابَ كل ذِي رأيٍ برأيهِ فعليكَ بنفسكَ" (¬2). وقالَ: "الكيسُ منْ دانَ نفسَهُ وعملَ لماَ بعدَ الموتِ، والأحمقُ منْ أتبعَ نفسهُ هواهَا، وتمنَّى علَى اللهِ الأمانيَّ" (¬3).

مثلاتُ لذلكَ ..
1 - أُعجبَ إبليسُ -لعنةُ اللهِ عليهِ- بحالهِ، واغتر بنفسهِ وأصلهِ فقالَ: خلقتني منْ نارٍ وخلقتهُ منْ طينٍ! فطردهُ اللّهُ منْ رحمتهِ، ومن أُنْسِ حضرةِ قدسهِ.
2 - أُعجبتْ عادٌ بقوتهَا واغتزتْ بسلطانهَا وقالُوا: منْ أشَدّ منا قوَّةً. فأذاقهمُ اللّهُ عذابَ الخزيِ فيِ الحياةِ الدُّنيَا وفيِ الآخرةِ.
3 - غفلَ نبي اللّهِ سليمانُ -عليهِ وعلَى نبينَا أفضلُ الصَّلاةِ والسلَامِ- فقالَ: لأطوفنَّ الليلةَ علَى مائةِ امرأةٍ تلدُ كل امرأةٍ ولدًا يجاهدُ في سبيلِ اللهِ، غفلَ فلم يقلْ: إنْ شاءَ اللّهُ فحرمهُ اللّهُ سبحانهُ ذلكَ الولدَ.
4 - أُعجبَ أصحابُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في حنينٍ بكثرتهم وقالُوا: لنْ نُغْلَبَ اليومَ منْ قلَّةٍ!. فأصيبُوا بهزيمةٍ مريرةٍ، حتَى ضَاقَتْ عليهمُ الأرضُ بمَا رحبتْ، ثمَّ ولوا مدبرينَ إلى أن عادوا إلى الله فنصرهم الله.

ومن مظاهرِ الغرورِ مَا يلِي:
1 - فِي العلم: قدْ يعجبُ المرءُ بعلمهِ، ويغترُّ بكثرةِ معارفهِ فيحملهُ ذلكَ علَى عدمِ
¬__________
(¬1) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ا /91) وهو ضعيف.
(¬2) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (8/ 407). وذكره الطبري في تفسيره (7/ 63).
(¬3) رواه الإِمام أحمد (4/ 24). ورواه الحاكم في المستدرك (1/ 57).

الصفحة 144