كتاب منهاج المسلم
ومواظبةُ الرسولِ عليهِ تجعلهُ سنّةً مؤكّدةً؛ إذْ مَا سافرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - سفرًا إلاَّ قصرَ فيهِ وقصرَ معهُ أصحابهُ - رضي الله عنه - أجمعينَ.
3 - المسافةُ الَّتِي يسنُّ القصرُ فيهَا: لم يحدِّدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - للقصر مسافةً ينتهَى إليهَا فِي القصرِ، وإنَّمَا جمهورُ الصحابةِ والتَّابعينَ والأئمَّةِ نظروا إلَى المسافاتِ التي قصرَ فيهَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فوجدوهَا تقاربُ أربعةَ برد، فجعلُوا الأربعةَ برد -وهيَ ثمانية وأربعونَ ميلاً- حدًّا أدنَى لمسافةِ القصرِ، فمن سافرهَا فِي غيرِ معصيةِ اللّهِ سُنَّ لهُ القصر، فيصلي الرباعيةَ (الظُّهرَ والعصرَ والعشاءَ) ، اثنتين.
4 - ابتداءُ القصرِ وانتهاؤهُ: يبتدئُ المسافر قصرَ صلاتهِ منْ مغادرتهِ مساكنَ بلدهِ، ويستمر يقصرَ مهمَا طالتْ مدةُ سفرهِ إلَى أنْ يعودَ إلَى بلدهِ، إلاَّ أنْ ينويَ إقامةَ أربعةِ أيام فأكثرَ فِي بلد مَا ينزلُ بهِ فإنهُ يُتمُّ ولَا يقصرُ؛ إذْ بنية الإقامةِ يستريحُ خاطرهُ، ويهدأُ بالهُ ولم تبقَ العلةُ التي شُرعَ منْ أجلهَا القصر وهيَ قلقُ المسافرِ وانشغالُ بالهِ بمهامِ سفرهِ، وقدْ مكثَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بتبوكَ عشرينَ يومًا يقصرُ الصلاةَ (¬1) . وقيلَ: لأنهُ لم ينوِ الإقامةَ بهَا.
5 - النَّافلةُ فِي السفرِ: إذَا سافرَ المسلمُ لهُ أنْ يتركَ سائرَ النَّوافلِ منْ راتبةٍ وغيرهَا مَا عدَا رغيبةِ الفجرِ والوترِ، فإنهُ لَا يحسنُ تركهمَا، فقدْ كانَ ابنُ عمرَ - رضي الله عنه - يقولُ: لو كنتُ مسبحًا -متنفِّلاً- لأتممتُ صلاتي (¬2) .
كمَا أن للمسافرِ أنْ يتنفلَ بلَا كراهيةٍ مَا شاءَ منَ النَّوافلِ، فقدْ صلَّى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - الضُّحى ثمانيَ ركعات وهوَ مسافر، وكانَ يتنفَّلُ علَى ظهرِ دابتهِ، وهوَ فِي طريقهِ منْ سفرهِ.
6 - عمومُ سنةِ القصرِ لكل مسافر: لَا فرقَ في سنةِ القصرِ بينَ مسافرٍ راكبٍ، ومسافر ماشٍ، ولَا بينَ راكبِ جمالٍ أوْ سيار؛ أوْ طائره إلاَّ الملاَّحُ إذَا كانَ لَا ينزلُ منْ سفينتهِ طولَ الدهرِ، وكانَ لهُ بسفينتهِ أهلٌ فإنهُ لَا يسنُّ لهُ القصرُ بلْ عليهِ أنْ يتمَّ صلاتهُ؛ لأنهُ كمستوطنٍ للسفينةِ.
ب- الجمعُ
1 - حكمهُ: الجمعُ: رخصةٌ جائزةٌ إلاَّ الجمعَ بينَ الظُّهرينِ يومَ عرفةَ بعرفةَ، والعشاءينِ ليلةَ المزدلفةِ فإنهُ سنةٌ لَا تخييرَ فِي فعلهَا، لماَ صحّ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّهُ صلى الظُّهرَ والعصرَ بعرفةَ بأذان واحد وإقامتينِ، ولما أتى المزدلفةَ صلى بهَا المغربَ والعشاءَ بأذان واحدٍ وإقامتيِن" (¬3) .
2 - صفته: الجمعُ هوَ أنْ يصلِّيَ المسافر الظهرَ والعصرَ جمعَ تقديم فيصلِّيهمَا فِي أوَّلِ وقتِ
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (1235) .
(¬2) رواه أبو داود (1223) .
(¬3) رواه أبو داود (1906) .
الصفحة 189