كتاب منهاج المسلم

4 - الاستطاعةُ، وهيَ الزَّادُ والراحلةُ؛ لقولهِ تعالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . فالفقيرُ الذِي لَا مالَ لديهِ ينفقهُ علَى نفسهِ أثناءَ حجِّهِ، وعلَى عيالهِ إنْ كانَ لهُ عيالٌ، حين يتركهم وراءهُ لَا يجبُ عليهِ حج ولَا عمرةٌ. وكذَا منْ وجدَ مالاً لنفقتهِ ونفقةِ عيالهِ، ولكنْ لم يجدْ مَا يركبهُ، وهوَ لَا يقوَى علَى المشي، أوْ وجدَ ولكن الطريقَ غيرُ مأمونٍ بحيثُ يخافُ فيهِ علَى نفسهِ أوْ مالهِ فإنَّهُ لَا يجبُ عليهِ الحج ولَا العمرةُ لعدمِ استطاعتهِ.

المادةُ الثالثةُ: فِي التَّرغيبِ فِي الحج والعمرةِ، والترهيبِ من تركهمَا:
لقدْ رغَّبَ الشَّارعُ فيِ هاتينِ العبادتينِ العظيمتينِ، وحثَّ علَى فعلهمَا، ودعَا إلَى ذلكَ بأساليبَ متنوعةٍ، وأضرب منَ البيانِ مختلفةٍ، من ذلكَ قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "أفضلُ الأعمالِ: إيمانٌ باللَّهِ ورسولهِ، ثم جهاد فيِ سبيلهِ، ثمَّ حج مبرور" (¬1) . وقولهُ: "منْ حجَّ هذَا البيتَ فلمْ يرفثْ ولَم يفسقْ، خرجَ منْ ذنوبه كيومِ ولدتهُ أمُّهُ" (¬2) ، وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنةَ" (¬3) . وقولهُ: "جهادُ الكبيرِ والضَّعيفِ والمرأةِ الحج المبرورُ" (¬4) . وقولهُ: "العمرةُ إلَى العمرةِ كفارةٌ لماَ بينهمَا، والحج المبرورُ (¬5) ليسَ لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنَّةَ" (¬6) .
كمَا رهَّبَ منْ تركهمَا وحذَّرَ منَ التقاعسِ عنْ فعلهمَا بمَا لَا مزيدَ عليهِ، فقالَ: "منْ لمْ تحبسهُ حاجةٌ ظاهرةٌ أوْ مرضٌ حابسٌ أوْ منعٌ منْ سلطانٍ جائرٍ ولم يحجَ فليمتْ إنْ شاءَ يهوديًّا أوْ نصرانيًّا" (¬7) وقالَ علي - رضي الله عنه -: "منْ ملكَ زادًا وراحلةً تبلِّغهُ إلَى بيتِ اللّهِ الحرامِ ولم يحج، فلَا عليهِ أنْ يموتَ يهوديًّا أوْ نصرانيا" (¬8) . وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وقالَ عمرُ - رضي الله عنه -: "لقدْ هممتُ أنْ أبعثَ رجالاً إلَى هذهِ الأمصارِ، فينظرُوا كلَّ منْ كانتْ لهُ جدةٌ ولم يحجّ فيضربُوا عليهمُ الجزيةَ مَا هم بمسلمينَ، مَا هم بمسلمينَ" (¬9) .
¬__________
(¬1) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (3/ 156) . ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق (25) . والساعاتي في منحة المعبود (16) .
(¬2) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(¬3) رواه البخاري (3/ 2) . ورواه مسلم في الحج (437) . ورواه الترمذي (933) . ورواه النسائي (5/ 113، 115) .
(¬4) رواه النسائي (5/ 114) وهو صحيح.
(¬5) الحج المبرورُ: هو الخالي مِنْ جِنْس الآثامِ المحفوفُ بالصالحاتِ والخيراتِ.
(¬6) رواه البخاري (3/ 2) .
(¬7) رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 334) وإنْ كانَ ضعيفًا، فإن له متابعات حسنَ بهَا كما قالَ الشوكاني.
(¬8) رواه الترمذي (812) ووصفهُ بالغرابةِ وهو عندَهُ مرفوع والموقوفُ أصحُّ.
(¬9) رواه البيهقي في سننه.

الصفحة 247