كتاب منهاج المسلم

يغتسلُ ويأتي المسجدَ مصلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيصلِّي معَ الإمامِ الظهرَ والعصرَ قصرًا وجمعَ تقديمٍ فإذَا قضيتِ الطلاة ذهبَ إلَى "عرفاتٍ" للوقوفِ بهَا، ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ جزءٍ منهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ ها هنا إلىَ "عرفات" كلُّهَا موقفٌ" (¬1) . وإنْ وقفَ عندَ الصخرات فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ موقفُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فحسن ولهُ أنْ يقفَ راكبًا أوْ راجلًا أوْ قاعدًا يذكرُ اللهَ تعالَى ويدعوهُ حتى إذَا غربتَ الشَّمسُ ودخلَ جزءٌ منَ الليلِ يسير، أفاضَ فيِ سكينةٍ ملبيًا إلَى "مزدلفةَ" بطريقِ المأزمينِ فينزلُ بهَا وقبلَ أنْ يضعَ رحلهُ يصلِّي المغربَ ثم يضع رحلهُ ويصلِّي بهَا العشاءَ ويبيتُ بهَا حتى إذَا طلعَ الفجر صلى الصُّبحَ وقصدَ المشعرَ الحرامَ ليقفَ عنده مهلِّلًا مكبرًا داعيًا ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ مكان من "مزدلفةَ"؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ هَا هنَاء وجمعٌ كلُّهَا موقفٌ" (¬2) . حتَّى إذَا أسفرَ الصبحُ وقبلَ طلوعِ الشمسِ التقطَ سبعَ حصياتٍ ليرميَ بهَا جمرةَ "العقبةِ" ويندفعُ إلَى "منَّى" ملبيًا، وإذَا وصلَ محسِّرًا حركَ دابتهُ وأسرعَ فيِ سيرهِ نحوَ رميةِ حجرٍ، ولما يصلُ إلَى "منَّى" يذهبُ رأسًا إلَى جمرةِ "العقبةِ" فيرميهَا بسبعِ حصيات يرفعُ يدة اليمنَى حالَ الرمى قائلا: اللّهُ أكبرُ، وإنْ زادَ اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا فحسن، ثم إنْ كانَ معهُ هديٌ عمدَ إليهِ فذبحهُ أو أنابَ من يذبحُ عنهُ إنْ كانَ عاجزًا، ولهُ أنْ يذبحَ في أيِّ مكان شاءَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نحرتُ هَا هنَا، وَ "منَّى" كلهَا منحرٌ" (¬3) . ثم يحلقُ أوْ يقصِّرُ، والحلقُ افضل، وإلى هنَا فقدْ تحلل التحلل الأصغرَ فلم يبقَ محرمًا عليهِ إلاَّ النِّساءُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رمَى أحدكم جمرةَ العقبةِ وحلقَ فقدْ حل لهُ كل شيء إلاَّ النِّساء" (¬4) فلهُ أنْ يغطِّيَ رأسهُ ويلبسَ ثيابهُ. ثم يسير إلَى "مكَّةَ" إنْ أمكنَ ليطوفَ طوافَ الإفاضةِ الذّي هوَ أحدُ أركانِ الحجِّ الأربعةِ فيدخلُ المسجدَ متطهِّرًا فيطوفُ علَى نحوِ طوافِ القدومِ غيرَ أَنهُ لَا يضطبعُ -لَا يكشفُ عنْ كتفهِ- ولَا يرملُ، أيْ لَا يسرعُ فيِ الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولَى، فإذَا أتم سبعةَ أشواطٍ صلَّى ركعتينِ خلفَ المقامِ، ثمَّ إنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا، وقدْ سعَى معَ طوافِ القدومِ فإن سعيهُ الأولَ يكفيهِ وإنْ كانَ متمتِّعًا خرجَ إلَى المسعَى فسعَى بينَ "الصفَا" وَ "المروةَ" سبعةَ أشواط علَى النَّحوِ الذّيِ تقدَّمَ، فإذَا فرغَ منْ سعيهِ فقدَ تحللَ كاملَ التحلُّلِ، ولم يبقَ محرمًا عليهِ شيءٌ؛ إذ أصبحَ حلالاً يفعلُ كل مَا كانَ محظورًا عليهِ بسببِ الإحرامٍ، ثم يعود منْ يومهِ إلَى "منَّى" فيبيتُ بهَا، وإذَا زاغتِ الشمسُ منْ أولِ يومٍ منْ أيامِ
¬__________
(¬1) رواه مسلم في الحج (149) .
(¬2) رواه مسلم في (20) كتاب الحج.
(¬3) رواه مسلم (893) . ورواه أبو داود في المناسك (57) .
(¬4) رواه أبو داود (1978) وفي سندهِ ضعف وبهِ العملُ عندَ جماهيرِ الصحابةِ والأئمةِ، رحمهمُ اللهُ تعالى.

الصفحة 259