كتاب منهاج المسلم

التشريقِ ذهبَ إلَى الجمراتِ فرمَى الجمرةَ الأولَى وهيَ التي تلي مسجدَ "الخيفِ" رماهَا بسبع حصيات، واحدةً بعدَ أخرَى يكبر معَ كل حصاة، ولما يفرغُ منْ رميهَا يتنحّى قليلاً، فيستقبل القبلةَ يدعُو بمَا يفتحِ اللّهُ عليهِ، ثم يسير إلَى الجمرةِ الوسطَى فيرميهَا كمَا رمَى الأولَى، ويتنحَّى قليلًا فيستقبلُ القبلةَ ويدعُو، ثم يسير إلَى جمرةِ "العقبةِ" وهيَ الأخيرةُ فيرميهَا بسبعِ حصياتٍ يكبر معَ كل حصاة ولَا يدعُو بعدهَا؛ إذْ لم يدعُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهَا، وينصرفُ، فإذَا زالتِ الشمس منَ اليومِ الثاني خرجَ فرمَى الجمراتِ (¬1) الثلاثَ علَى النحوِ الذِي سبقَ. ثمَّ إنْ تعجل نزلَ "مكةَ" منْ يومهِ قبلَ غروبِ الشمس، وإنْ لم يتعجلْ باتَ ليلتهُ "بمنى"، وإذَا زالتِ الشمسُ منَ اليومِ الثالث رمَى الجمراتِ كمَا تقدَّمَ، ثم رحلَ إلَى "مكةَ"، وإذَا عزمَ علَى السفرِ إلَى أهلهِ طافَ طوافَ الوداعِ سبعةَ أشواط، وصلى بعدهُ ركعتينِ خلفَ المقامِ، وانصرفَ راجعًا إلَى أهلهِ، وهوَ يقولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كل شيء قدير، آيبونَ تائبونَ، عابدونَ، لربنَا حامدونَ. لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهْ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.

الفصلُ الثَّالثَ عشرَ
فِي زيارةِ المسجدِ النَّبوي، والسَّلامِ علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فِي قبرهِ الشريفِ
وفيهِ ثلاثُ مواد:

المادةُ الأولَى: فِي فضلِ المدينةِ وأهلهَا، وفضلِ المسجدِ النبويِّ الشريف:
أ- فضلُ المدينةِ:
المدينةُ حرمُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ودارُ هجرتهِ، ومهبطُ وحيهِ، حرمهَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كمَا حرمَ سيدنَا إبراهيمُ مكَّةَ المكرمةَ فقالَ: "اللهم إن إبراهيمَ حرمَ مكةَ، وأنَا أحرمُ مَا بينَ لابتيهَا (¬2) -حرتيهَا-". وقالَ: "المدينةُ حرام مَا بينَ عائر إلَى ثورٍ فمنْ أحدثَ فيهَا حدثًا أوْ آوَى محدثا فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لَا يقبلُ منهُ صرفٌ ولَا عدلٌ. لَا يختلَى خلاهَا ولَا
¬__________
(¬1) روَى ابنُ ماجه عن جابر بن عبد اللهِ - رضي الله عنه - قولهُ: "حججنَا معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومعنَا النساءُ والصبيانُ فلبينا عنِ الصبيانِ ورمينَا عنهم"، ففيه دليلُ النيابةِ فيِ الرمي عن الصغير ومن في حكمهِ منَ المرضى والعاجزين.
(¬2) رواه البخاري (4/ 177). ورواه مسلم (85). لابتيهَاَ: حرتيهَا.

الصفحة 260