كتاب منهاج المسلم

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] . فإن فيِ لفظِ الأقصَى إشارةً واضحةً إلَى المسجدِ النبويِّ؛ إذِ الأقصَى اسمُ تفضيلٍ علَى القاصِي، ومنْ كانَ بمكّةَ المكرمةِ كانَ المسجدُ القاصِى منهُ هوَ المسجدَ النبويِّ، والمسجدُ الأقصَى هوَ بيتُ المقدسِ، فذكرَ المسجدَ النبويّ بالإشارةِ ضمنَ المسجدينِ؛ إذْ لم يكنْ أيام نزولِ الآيةِ الكريمةِ قدْ وجدَ بعدُ، وقالَ - صلى الله عليه وسلم - فيِ بيانِ فضلهِ: "صلاةٌ فيِ مسجدِي هذَا أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ فيمَا سواهُ إلاَّ المسجدُ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ مائةِ ألفِ صلاةٍ فيمَا سواهُ" (¬1) .
وجعلهُ ثانيَ المساجدِ الثلاثةِ الَّتي لَا تشد الرحالُ إلاَّ إليهَا، فقالَ: "لَا تشد الرحالُ إلاَّ إلَى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ ومسجدِي هذَا والمسجدِ الأقصَى". وخص هذَا المسجدَ بمزيةٍ لم تكنْ لغيرهِ منَ المساجدِ، وهيَ الروضةُ الشَّريفةُ الَّتي قالَ فيهَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بينَ بيتي ومنبرِي روضة منْ رياضِ الجنةِ" (¬2) . ورويَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صلى في مسجدِي هذَا أربعينَ صلاةً لَا تفوتهُ صلاةٌ كتبَ لهُ براءة منَ النارِ، وبراءة منَ العذابِ، وبَراءة منَ النِّفاقِ" (¬3) .
ولهذَا كانتْ زيارةُ هذَا المسجدِ للصّلاةِ فيهِ منَ القربِ التي يتوسلُ بهَما المسلمُ إلَى ربِّهِ فيِ قضاءِ حاجاتهِ والفوزِ بمرضاتهِ تعالَى.

المادَّةُ الثانيةُ: فِي زيارةِ المسجدِ النبوي والسلامِ علَى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيهِ:
لماَّ كانتْ زيارةُ المسجدِ النبويِّ عبادةً كانتْ مفتقرةً إلَى نيةٍ كسائرِ العباداتِ؛ إذِ الأعمالُ بالنِّياتِ، فلينوِ المسلمُ بزيارتهِ للمسجدِ النَّبوي للصَّلاةِ فيهِ التقربَ إلَى اللّهِ تعالَى، والتزلفَ إليهِ طاعةً ومحبة، فإذَا وصلَ المسجدَ متطهِّرًا قدَّمَ رجلهُ اليمنَى، كمَا هيَ السنَّةُ فيِ دخولِ المساجدِ، وقالَ: "بسمِ اللّهِ، والصَّلاةُ والسلامُ علَى رسولِ اللّهِ، اللهمَّ اغفر لي ذنوبي وافتحْ لي أبوابَ رحمتكَ"، ثمَّ أتَى الروضةَ الشريفةَ -إنْ وجدَ لهُ متَّسعًا فيهَا- وإلا ففِي أي ناحيةٍ منْ نواحِي المسجدِ، فصلَّى ركعتينِ أوْ مَا فتحَ الله لهُ منْ الصَّلاةِ، ثمَّ يقصدُ الحجرةَ الشَّريفةَ فيسلِّمُ علَى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقفُ مستقبلَ المواجهةَ الشَّريفةَ فيسلمُ علَى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: السَّلامُ عليكَ يَا رسولَ اللّهِ، السلام عليكَ يَا نبيّ اللّهِ، السلامُ عليكَ يَا خيرةَ خلقِ اللّهِ، السلام عليكَ
¬__________
(¬1) روى مسلم في الحج (505، 506، 508، 509) إلى قولهِ "إلا المسجدَ الحرامَ". وروَى الجملةَ الأخيرةَ الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ في صحيحهِ.
(¬2) رواه البخاري (2/ 77) . ورواه مسلم في الحج (92) . ورواه الترمذي (3915، 3916) .
(¬3) رواه الإِمام أحمد (3/ 155) . وقال المنذري: رواتهُ رواةُ الصحيحِ. ورواة الطبرانى والترمذي بلفط آخرَ.

الصفحة 262