كتاب منهاج المسلم
أيهَا النبي ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، أشهدُ أنْ لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ، وأشهدُ أنكَ عبدُ اللّهِ ورسولهُ، قدْ بلغتَ الرسالةَ، وأديتَ الأمانةَ، ونصحتَ الأمةَ، وجاهدتَ فيِ اللّهِ حق جهادهِ، صلَّى الله عليكَ وعلى آلكَ وأزواجكَ وذرِّيَاتكَ، وسلمَ تسليما كثيرًا. ثم يتنحَّى قليلاً إلَى اليميِن، فيسلِّم علَى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ قائلاً: السلام عليكَ أبَا بكرٍ الصِّدِّيقَ صفي رسولِ اللّهِ، وصاحبهُ فيِ الغارِ، جزاكَ الله عنْ أمةِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - خيراً.
ثم يتنحى نحوَ اليميِن قليلاً ويسلِّمُ علَى عمرَ - رضي الله عنه - قائلاً: السلام عليكَ يَا عمرُ الفاروقُ ورحمةُ اللّهِ وبركاتهُ جزاكَ اللّهُ عنْ أمةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - خيرًا ثم ينصرفُ، فإذَا أرادَ التوسلَ إلَى اللهِ تعالَى بهذهِ الزيارةِ فليبتعدْ قليلاً منَ المواجهةِ الشريفةِ ويستقبل القبلةَ ويدعُو اللّهَ مَا شاءَ ويسألهُ منْ فضلهِ مَا أرادَ.
وبذلكَ تكونُ قدْ تمتَ زيارةُ المسلمِ للمسجدِ النبويِّ الشَّريفِ، فإنْ شاءَ سافرَ، وإنْ شاءَ أقامَ، غيرَ أنَّ الإقامةَ بالمدينةِ للصلاةِ في مسجدِ الرسولٍ - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ ولَا سيمَا وقدْ وردَ الترغيبُ فيِ صلاةِ أربعينَ صلاة فيِ المسجدِ الَنبوي الشريفِ.
المادَّةُ الثالثةُ: في زيارةِ الأماكنِ الفاضلةِ بالدينةِ المنوَّرةِ:
يحسنُ بالمسلم إذَا شرفهُ اللّهُ بزيارةِ المسجدِ النبويِّ، والوقوفِ علَى قبرِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكرمهُ بدخولهِ طيبةَ -طيب اللّهُ ثراهَا- يحسنُ بهِ أنْ يأتيَ مسجدَ قباءَ للصَّلاةِ فيهِ، إذْ كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يزورهُ ويصلِّي فيهِ، وكذلكَ كانَ أصحابهُ منْ بعدهِ، وقالَ: "منْ تطهرَ في بيتهِ وأحسنَ الطُّهورَ ثم أتَى مسجدَ قباء لَا يريدُ إلاَّ الصلاةَ فيهِ كانَ لهُ كأجرِ عمرةٍ" (¬1) . وكان - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجدَ قباءٍ راكبًا وماشيًا فيصلي فيهِ ركعتينِ (¬2) . كمَا يزورُ قبورَ الشُّهداءِ "بأحدٍ"، إذْ كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرجُ لزيارتهم في قبورهم ويسلِّمُ عليهم. وبهذهِ الزِّيارة لشهداءِ "أحدٍ" يمكنهُ مشاهدةُ جبلِ (أحدٍ) الجبلِ الذِي قالَ فيهِ الوسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "أحد جبلٌ يحبنَا ونحبهُ" (¬3) . وقِالَ فيهِ: "أحدٌ جبلٌ منْ جبالِ الجنةِ" (¬4) . واضطربَ مرة تحتَ رجليهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ معهُ أبُو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، فقالَ لهُ: "اسكنْ أحدُ -وضربهُ برجلهِ- فمَا عليكَ إلاَّ نبي وصدِّيق وشهيدانِ" (¬5) .
كمَا يزورُ مقبرةَ "البقيعِ" إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يزورُ أهلهُ ويسلمُ عليهم، كمَا وردَ في الصحيحِ ولأنهَا ضمتْ آلافَ الصحابةِ والتابعينَ وغيرهم منْ عبادِ اللّهِ الصالحينَ فيأتيهَا فيسلِّمُ علَى أهلهَا
¬__________
(¬1) رواه ابن ماجه (1412) .
(¬2) رواه مسلم في الحج (97) .
(¬3) رواه البخاري (2/ 152) .
(¬4) رواهُ الطبراني بلفظِ "أحد ركن منْ أركانِ الجنةِ" وهُو ضعيف جدًّا.
(¬5) رواه البخاري (5/ 19) .
الصفحة 263