كتاب منهاج المسلم

البابُ الخامسُ: فِي المعاملاتِ
الفصلُ الأوَّلُ: فِي الجهادِ
وفيهِ إحدَى عشرةَ مادةً:
المادةُ الأولَى: فِي حكمِ الجهادِ، وبيانِ أنواعهِ؛ والحكمةِ فيهِ:

أ- حكمُ الجهادِ:
حكمُ الجهادِ الخاص الَّذِي هوَ قتالُ الكفارِ والمحاربينَ فرضُ كفايةٍ إذَا قامَ بهِ البعضُ سقطَ عنِ البعض الآخرِ؛ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
غيرَ أنهُ يتعيَّنُ علَى منْ عينهُ الإمامُ فيصبحُ فرضَ عينٍ فيِ حقهِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وإذَا استنفرتمْ فانفرُوا" (¬1). وكذَا إذَا داهمَ العدوُّ بلدًا فإنَّهُ يتعينُ علَى أهلهَا حتَّى النِّساءِ منهم مدافعتهُ وقتالهُ.

ب- أنواعُ الجهادِ:
1 - جهادُ الكفَّارِ والمحاربينَ، ويكونُ باليدِ، والمالِ، واللِّسانِ، والقلبِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "جاهدُوا المشركينَ بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (¬2).
2 - جهادُ الفساقِ، ويكونُ باليدِ واللِّسانِ والقلب؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ رأَى منكم منكرًا فليغيرهُ بيدهِ فإنْ لم يستطعْ فبلسانهِ، فإنْ لم يستطعْ فبقلبهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ".
3 - جهادُ الشيطان، ويكونُ بدفعِ مَا يأتي بهِ منَ الشُّبهاتِ، وتركِ مَا يزيِّنهُ من الشهواتِ؛ لقولهِ تعالَى: {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]. وقولهِ سبحانهُ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].
4 - جهادُ النَّفسِ، ويكونُ بحملهَا علَى أنْ تتعلمَ أمورَ الدِّينِ وتعملَ بهَا وتعلِّمهَا، وبصرفهَا عنْ هواهَا ومقاومةِ رعوناتهَا. وجهادُ النَّفسِ منْ أعظمِ أنواعِ الجهادِ حتَّى قيلَ فيهِ: "الجهادُ الأكبرُ" (¬3).

ج- حكمةُ الجهادِ:
ومنَ الحكمةُ في الجهادِ بأنواعهِ: أنْ يعبَد اللّهُ وحدهُ معَ مَا يتبعُ ذلكَ منْ دفعِ العدوانِ والشَّر، وحفظِ الأنَفسِ والأموالِ، ورعايةِ الحقِّ وصيانةِ العدلِ، وتعميمِ الخيرِ ونشرِ الفضيلةِ،
¬__________
(¬1) رواه البخاري (3/ 18). ورواه مسلم في الإجارة (85، 86). رواه ابن ماجه (2773). ورواه الإمام أحمد (1/ 226).
(¬2) رواه الإمام أحمد (3/ 124، 251). ورواه أبو داود (2504). ورواه النسائي (6/ 7).
(¬3) حديث ضعيف رواهُ البيهقيّ والخطيبُ في تاريخهِ عن جابر - رضي الله عنه - بلفظِ: قدمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - من غزاة فقال - صلى الله عليه وسلم -: "قدمتم خيرَ مقدم، وقدمتم منَ الجهاد الأصغر إلَى الجهاد الأكبر؟ " قيلَ: ومَا الجهادُ الأكبر؟ قالَ: "مجاهدةُ العبدِ هواهُ".

الصفحة 269