كتاب منهاج المسلم

وقالَ عقبةُ بنُ عامر - رضي الله عنه -: سمعتُ رسولَ اللّهِ علَى المنبرِ يقولُ: "وأعدوا لهم مَا استطعتم منْ قوَّة ألَا إن القوةَ الرَّمي، ألَا إنَّ القوَّةَ الرمي، ألَا إنَّ القوَّةَ الرميُ" (¬1) . وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللَّهَ عز وجل يُدخلُ بالسهمِ الواحدِ ثلاثةَ نفر الجنّةَ: صانعهُ يحتسبُ في صنعتهِ الخيرَ، والراميَ بهِ، ومنبلهُ، وارمُوا واركبُوا وأنْ ترمُوا أحبَّ إليَ منْ أنْ تركبُوا، ليس اللَّهوُ إلاَّ فِي ثلاثةٍ: تأديبُ الرَّجلِ فرسَهُ، وملاعبتهُ أهلهُ، ورميهُ بقوسهِ أوْ نبلهِ" (¬2) .
وبناءً علَى هذَا وجبَ علَى المسلمينَ سواءً كانَوا دولةً واحدةً أوْ دولًا شتى أنْ يعدّوا منْ السِّلاحِ ويهيئوا منَ العتادِ الحربي ويدربُوا منَ الرجالِ علَى فنونِ الحربِ والقتالِ مَا يمكِّنهم لَا منْ ردِّ هجماتِ العدو فحسبُ، بلْ فيِ الغزوِ فيِ سبيلِ اللّهِ لإعلاءِ كلمةِ اللّهِ ونشرِ العدلِ والخيرِ والرحمةِ فيِ الأرضِ.
كمَا وجبَ أيضًا علَى المسلمينَ أنْ يكونَ التجنيدُ إجباريًّا بينهم. فمَا منْ شاب يبلغُ الثَّامنةَ عشرةَ منْ عمرهِ إلاَّ يُضطر إلَى الخدمةِ العسكريّةِ لمدة سنةٍ ونصفٍ، يحسنُ خلالهَا سائرَ فنونِ الحربِ والقتالِ، ويسجلُ بعدهَا اسمهُ فيِ ديوانِ الجيشِ العام، ويكونُ بذلكَ مستعدًّا لداعِي الجهادِ في أيةِ لحظةٍ يدعوهُ فيهَا، ومعَ صلاحِ نيتهِ قدْ يُجرَى لهُ عملُ المرابطِ فيِ سبيلِ اللّهِ، مَا دامَ اسمهُ فيِ ذلك الديوانِ العام.
كمَا يجبُ علَى المسلمينَ أنْ يُعدوا منَ المصانعِ الحربيَّةِ المنتجةِ لكل سلاح وُجدَ فيِ العالمِ، أوْ يجد فيهِ، ولو أدَّى ذلكَ بهم إلَى تركِ كل مَا ليسَ بضروري منَ المأكلِ والمشربِ والملبسِ والمسكنِ. الأمرُ الذِي يجعلهم يقومونَ بواجبِ الجهادِ ويؤدُّونَ فريضتهُ علَى أحسنِ الوجوهِ وأكملهَا، وإلَّا فهم آثمونَ وعرضةٌ لعذابِ اللهِ فيِ الدنيَا وفيِ الآخرةِ.

المادةُ الخامسةُ: فِي أركانِ الجهادِ:
للجهادِ الشرعي المحققِ لإحدَى الحسنيينِ: السيادةِ أوْ الشَهادةِ، أركانٌ هيَ:
1 - النية الصالحةُ؛ إذِ الأعمالُ بالنِّياتِ، والنيةُ فيِ الجهادِ أنْ يكونَ الغرضُ منهُ إعلاءَ كلمةِ اللّهِ تعالى لَا غيرَ، فقدْ سئلَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عنِ الرجل يقاتلُ حميَّه، ويقاتلُ رياء، فأيُّ ذلكَ فيِ سبيلِ اللّهِ؟ فقالَ: "منْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليَا فهوَ فيِ سبيلِ اللَّهِ" (¬3) .
2 - أنْ يكونَ وراءَ إمامٍ مسلم وتحتَ رايتهِ وبإذنهِ، فكمَا لَا يجوزُ للمسلمينَ -وإنْ قلَّ عددُهم- أنْ يعيشُوا بدونِ إمام، لا يجوزُ لهم أنْ يقاتلُوا بغيرِ إمام، قالَ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] . وبناء علَى هذَا فإنَّهُ يجبُ علَى
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (2514) .
(¬2) رواه النسائي (6/ 223) . ورواه الإمام أحمد (4/ 146، 148) . ورواه الحاكم (2/ 95) .
(¬3) رواه البخاري (3/ 43) . ورواه مسلم (149، 150) كتاب الإِمارة. ورواه الترمذي (1646) .

الصفحة 272