كتاب منهاج المسلم

لهم بعهدهم، ونستعينُ اللهَ عليهم" (¬1). قالَ تعالَى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7]. وحرمَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قتلَ المعاهدِ فقالَ: "منْ قتلَ معاهدًا لم يرحْ رائحةَ الجنةِ" (¬2). وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّي لَا أخيسُ بالعهدِ ولَا أحبسُ البردَ" (¬3).
ج - الصلحُ: يجوزُ للمسلمينَ أنْ يصالحُوا منْ أعدائهم منْ شاؤُوا، إذا اضطرُّوا إلَي ذلكَ، وكانَ الصُّلحُ يحقِّقُ لهم فوائدَ لم يحصلُوا عليهَا بدونهِ؛ فقدْ صالحَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ مكةَ صلحَ الحديبيةِ، كمَا صالحَ أهلَ نجرانَ علَى أموال يؤدونهَا، وصالحَ أهلَ البحرينِ علَى أنْ يدفعُوا لهُ جزية معينة، وصالحَ أكيدِرَ دومةَ (¬4) فحقنَ دمهُ علَى أنْ يدفعَ الجزيةَ.

المادَّةُ العاشرةُ: في قسمةِ الغنائمِ، والفيءِ، والخراجِ، والجزيةِ، والنفلِ:
أ- قسمةُ الغنائمِ:
الغنيمةُ هيَ المالُ الذِىِ يملكُ في دارِ الحربِ. وحكمهُ: أنْ يخمسَ فيأخذَ الإمامُ خمسهُ فيتصرَّفَ (¬5) فيهِ بالمصلحة للمسلميَنَ. ويقسمَ الأربعةَ الأخماسِ الباقيةَ علَى أفرادِ الجيشِ الذِينَ حضرُوا المعركةَ، سواءً منْ قاتلَ أوْ لم يقاتلْ؛ لقولِ عمرَ - رضي الله عنه -: "الغنيمةُ لمنْ شهدَ الوقعةَ" (¬6). فيعطَى الفارسُ ثلاثةَ أسهمٍ، والراجلُ سهمًا واحدًا، قالَ تعالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41].
[تنبية]: يشاركُ الجيش سراياهُ في الغنيمةِ، وإذَا أرسلَ الإمامُ سريةً منَ الجيش فغنمتْ شيئًا، فإنَّهُ يقسمُ علَى سائرِ أفرادِ الجيَش، ولَا تختصُّ بهِ السَّريَّةُ وحدهَا.

ب- الفيءُ:
الفيءُ، هوَ مَا تركهُ الكفارُ والمحاربونَ منْ أموال وهربُوا عليهِ قبلَ أنْ يداهمُوا ويقاتلُوا.
وحكمهُ: أنَّ الإمامَ يتصرفُ فيهِ بالمصلحةِ الخاصةِ والعامةِ للمسلمينَ كالخمسِ منَ الغنائمِ، قالَ تعالَى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
¬__________
(¬1) رواه الحاكم في المستدرك (3/ 379).
(¬2) رواه البخاري (9/ 16).
(¬3) رواه أبو داود في الجهاد (162). ورواه الإمام أحمد (6/ 8). ورواه الحاكم (3/ 598). ومعنَى لا أَخِيسُ: أي لا أنقضُ العهدَ.
والبُرْدُ: الرُّسُلُ.
(¬4) أكيدرُ عربي غساني، وفي هذا دليل على أن الجزيةَ تؤخذُ من غير أهلِ الكتاب كما هو مذهبُ مالك رحمه اللهُ.
(¬5) كونُ الإمام يتصرفُ في الخمس هو مذهبُ مالك ورجحهُ شيخ الإسلامِ ابنُ تيميةَ وكذا الشيخ ابنُ كثير رحمهمُ اللهُ تعالى.
(¬6) أوردهُ الزيلعي فيِ نصَبِ الرايةِ (3/ 408).

الصفحة 277