كتاب منهاج المسلم

المادةُ الحاديةَ عشرةَ: فِي أسرَى الحرب:
اختلفَ أهلُ العلمِ منَ المسلمينَ فيِ حكمِ أَسرَى الحرب منَ الكافرينَ هلْ يقتلونَ، أوْ يفادونَ، أوْ يمنُّ عليهم، أوْ يُسترَقُّونَ؟ وسببُ خلافهم ورودُ الآياتِ مجملةً فيِ هذَا البابِ، ومنْ ذلكَ قولهُ تعالَى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4].
فهذهِ الآية الكريمةُ تخير الإمامَ بينَ أنْ يمن علَى الأسرَى فيطلقَ سراحهم بدونِ فداءٍ، أوْ يفاديهم بمَا يشاءُ منْ مالٍ أوْ سلاح أوْ رجالٍ. وقرلهُ تعالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]. قاضية بقتلِ المشركينَ دونَ أسرهم ليمن عليهم أوْ يفادُوا.
غيرَ أن الجمهورَ يرى أن الإمامَ مخير بينَ القتلِ والمفاداةِ، والمنِّ والاسترقاقِ بمَا يراهُ فيِ صالحِ المسلمينَ، إذْ ثبتَ فيِ الصحيحِ أنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قتلَ بعضَ الأسرَى، وفادَى آخرينَ، ومنّ علَى بعضٍ آخرَ تصرفًا بمَا يحقِّقُ المصلحةَ العامَّةَ للمسلمينَ. اللَّهم صلِّ علَى نبينَا محمد وآلهِ وصحبهِ وسلِّم.

الفصلُ الثَّانِي
فِي السِّباقِ -والمناضلةِ- والرياضاتِ البدنيَّةِ والعقليَّةِ
وفيهِ خمسُ موادّ:

المادةُ الأولَى: فِي الغرضِ المقصودِ مِن هذهِ الرياضاتِ:
إن الغرضَ منْ جميعِ هذهِ الرياضاتِ التي كانتْ تعرفُ فيِ صدرِ الإسلامِ بالفروسيةِ هوَ الاستعانةُ بهَا علَى إحقاقِ الحق ونصرتهِ والدِّفاعِ عنهُ، ولم يكنِ الغرضُ منهَا الحصولَ علَى المالِ وجمعهُ، ولَا الشُّهرةَ وحب الظهورِ، ولَا مَا يستتبعُ ذلكَ منَ العلوِّ فيِ الأرضِ والفسادِ فيهَا، كمَا هِي أكثر حالِ المرتاضينَ اليومَ. إن المقصودَ منْ كلِّ الرياضاتِ علَى اختلافهَا هوَ التقوَي واكتسابُ القدرةِ علَى الجهادِ في سبيلِ الله تعالَى، وعلَى هذَا يجبُ أنْ تفهمَ الرياضةُ فيِ الإسلامِ، ومنْ فهمهَا علَى غيرِ هذَا النحَوِ فقدْ أخرجهَا عنْ قصدهَا الحسنِ إلَى قصدٍ سيئ منَ اللَّهوِ الباطلِ، والقمارِ الحرامِ.
والأصلُ في مشروعيةِ الرياضةِ قوله تعالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
وقولُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمنُ القويُّ خير وأحبُّ إلَى اللّهِ منَ المؤمنِ الضعيفِ" (¬1)، والقوَّةُ في الإسلامِ تشملُ السيفَ والسنانَ، والحجةَ والبرهانَ.
¬__________
(¬1) رواه مسلم (34) كتاب القدر. ورواه الإِمام أحمد (2/ 370). ورواه ابن ماجه (4168).

الصفحة 279