كتاب منهاج المسلم
المادَّةُ الثُّانيةُ: فيمَا يجوزُ فيهِ الرهنُ من أنواعِ الرياضاتِ، ومَا لا يجوزُ فيهِ ذلكَ:
تجوزُ المراهنةُ، وأخذُ الرهنِ بلَا خلافٍ بينَ علماءِ المسلمينَ فيِ سباقِ الخيلِ، والإبلِ، وفي الرمايةِ وهيَ المناضلةُ؛ وذلكَ لقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا سَبَقَ إلاَّ فيِ خفٍّ أوْ حافرٍ أوْ نصلٍ" (¬1) .
والمرادُ منَ السَّبقِ بفتحِ السينِ والباءِ معًا هوَ مَا يوضعُ رهنًا ويأخذهُ الفائزُ في سباقٍ أوْ رمايةٍ. وأمَّا ما عدَا هذهِ منْ أنواعِ الرياضاتِ كالمصارعةِ والسباحةِ والجريِ علَى الَأقدامِ أوْ الدَّراجاتِ أوْ السياراتِ، وكحملِ الأثقالِ، وكالسباقِ علَى البغالِ والحميرِ، أوِ الزوارقِ البحريَّةِ، وكحلِّ المسائلِ العلميةِ أوْ حفظهَا واستظهارهَا، فإنَّهَا وإنْ كانتْ رياضاتٍ جائزةً فإنَّهُ لَا يجوزُ فيهَا وضعُ رهنٍ ولَا أخذهُ علَى الصَّحيحِ ولَا يحتجُ علَى الجوازِ بمصارعةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لركانة بنِ زيدٍ فإنَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لماَ صارعهُ وغلبهُ ردَّ عليهِ غنمهُ التي جعلهَا ركانةُ رهنًا للمصارعةِ. كمَا لَا يحتج بمراهنةِ الصِّديقِ لقريش وأخذهِ الرهنَ منهَا لما غلبهَا فيِ مسألةِ غلبِ الرُّومِ، فإن ذلكَ كانَ فيِ صدرِ الإسلامِ قبلَ نزولِ كثير منَ التشريعِ.
والحكمةُ فيِ حصرِ جوازِ الرهنِ وأخذهِ فيِ الثلاثةِ المذكورةِ فيِ الحديثِ فقطْ هِي أنَّ هذهِ الثلاثةَ ذاتُ أثر فيِ الجهادِ، وأمَّا مَا عداهَا منْ أنواعِ الرياضاتِ فلَا أثرَ لهَا فيهِ؛ لأنَّ الجهادَ يعتمدُ علَى ركوبِ الخيلِ والإبلِ وعلَى الرمايةِ بالسهامِ، وإنْ قيستِ الدَّباباتُ اليومَ والطَّائراتُ علَى الإبلِ والخيلِ لصحَّتِ المسابقةُ بينهَا وجازَ أخذُ الرهنِ فيهَا، لماَ لهَا منْ أثرٍ كبيرٍ فيِ الجهادِ الَّذِي هوَ المقصودُ منْ سائرِ الرياضاتِ البدنيةِ. كمَا أنَّهُ لو أذنَ الشَّارعُ فيِ أخذِ الرهنِ منْ أنواعِ الرياضاتِ غيرِ الثَّلاثةِ المذكورةِ فيِ الحديثِ لاتخذَ بعضُ النَّاسِ الرياضاتِ مهنة يتعيَّشونَ بهَا ويكتسبونَ الززقَ بواسطهَا، وعندئذٍ ينسَى الغرضُ الشَريف الَّذِي شُرعتِ الرياضات لأجلهِ وهوَ التَّقوي علَى الجهادِ منْ أجلِ إحقاقِ الحقِّ وإبطالِ الباطلِ فيِ الأرضِ وذلكَ بأنْ يُعبدَ اللّهُ وحدهُ ويستقامَ علَى شرعهِ حتّى يسعدَ النَّاسُ فيِ دنياهم وأخراهم، ولَا يشقَوا.
المادَّةُ الثالثةُ: فِي كيفيةِ وضعِ الرهنِ فِي السباقِ والمناضلةِ:
إنَّ الأولَى في وضعِ الرهنِ فيِ السباقِ والمناضلةِ أنْ تضعهُ الحكومةُ أوْ جمعيَّةٌ خيريَّةٌ أوْ بعضُ الأفرادِ المحسنيَنَ؛ وذلكَ ليخلوَ منْ كلِّ شبهةٍ ويتمحَّضَ للتشجيعِ الخالصِ الّذِي لَا يرادُ بهِ إلاَّ التُّرغيبُ في الإعدادِ للجهادِ. ومعَ هذَا فإنهُ لَا بأسَ أنْ يضعَ الرهنَ أحدُ المتسابقين أوِ المتناضلين كأنْ يقول أحدهمَا لصاحبهِ: إنْ سبقتني فلكَ مني عشرةُ أوْ مائةُ دينار مثلًا. وأجازَ الجمهورُ أنْ
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (2574) . ورواه الترمذي (6/ 227) .
الصفحة 280