كتاب منهاج المسلم

نيابةَ فيهِ كالحدودِ والقصاصِ، فلَا تصحُّ الكفالةُ فيهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا كفالةَ فِي حد (¬1) ".

ج- الرهنُ:
1 - تعريفهُ: هوَ توثيقُ دين بعين يمكنُ استيفاؤهُ منهَا، أوْ منْ ثمنهَا، وذلكَ كأنْ يستدينَ شخصٌ منْ آخرَ دينًا، فيطلبُ الدَّائنُ منهُ وضعَ شيءٍ تحتَ يدهِ منْ حيوان أوْ عقارات أوْ غيرهمَا ليستوثقَ دينهُ، فمتَى حل الأجلُ ولم يسدِّدْ لهُ دينهُ استوفاهُ ممَّا تحتَ يدهِ؛ فالدّائنُ يسمى مرتهنا، والمدينُ يسمى راهنًا، والعينُ المرهونةُ تسمى رهنا.
2 - حكمهُ: الرهنُ جائزٌ، بقولهِ تعالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ (¬2) وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] . وبقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يغلقُ الرهنُ منْ صاحبهِ الذِي رهنهُ، لهُ غنمهُ وعليهِ غرمهُ" (¬3) . وقولِ أنس - رضي الله عنه -: "رهنَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - درعا عندَ يهودي فِي المدينةِ وأخذَ منهُ شعيرًا لأهلهِ" (¬4) .
3 - أحكامهُ: أحكامُ الرهنِ هيَ:
1- يلزمُ الرهنُ بالقبضِ -الراهنُ لَا المرتهنُ- فلو أرادَ الراهنُ استردادَ الرهنِ منْ يدِ المرتهنِ لم يكنْ لهُ ذلكَ، أما المرتهنُ فإنَّ لهُ ردهُ؛ إذِ الحق حقُّهُ فِي ذلكَ.
ب- مَا لَا يصحُّ بيعهُ منَ الأشياءِ، لَا يصح رهنهُ إلاَّ الزرعَ والثَّمرَ قبلَ بدوِّ صلاحهمَا، فإنَّ بيعهمَا حرامٌ، ورهنهمَا جائزٌ؛ إذْ لَا غررَ فِي ذلكَ علَى المرتهنِ؛ لأنَّ دينهُ ثابتٌ فِي الذمَّةِ ولوْ تلفَ الزرعُ أوْ الثمرُ.
جـ- متَّى حلَّ أجلُ الرَّهنِ، طالبَ المرتهنُ بدينهِ، فإنَّ وفَّاهُ الراهنُ ردَّ إليهِ رهنهُ، وإلَّا استوفَى حقَّهُ منَ الرهنِ المحبوس تحتَ يدهِ من غلتهِ ونمائهِ إنْ كانَ، وإلَّا باعهُ واستوفَى حقَّهُ، ومَا فضلَ ردَّهُ علَى صاحبهِ، وإنْ لم يفِ الرهنُ بكلِّ الدَّينِ فمَا بقيَ فهوَ ذمَّةُ الراهنِ.
د- الرَّهنُ أمانةٌ فِي يدِ المرتهنِ، فإنْ تلفَ بتفريط منهُ أوْ تعدٍّ ضمنهُ وإلا فلَا ضمانَ عليهِ ويبقَى دينهُ فِي ذمةِ الراهنِ.
هـ- يجوزُ وضعُ الرهنِ تحتَ يدِ أمينٍ غيرِ المرتهنِ؛ إذ العبرةُ بالاستيثاقِ وهوَ حاصلٌ عندَ الأمينِ.
¬__________
(¬1) خالفَ الأحنافُ في هذهِ المسألةِ الجمهورَ، وقالُوا بجوازِ الكفالةِ في الحدود، لضعفِ الحديثِ.
(¬2) فِي الآية دليل علَى أن الرهنَ جائز، سفرًا وحضرًا. والقيدَ بالسفرِ فيهَا خارج مخرجَ الغالبِ؛ إذِ السفر مظنةُ عدمِ وجودِ منْ يكتبُ أو يشهدُ.
(¬3) رواه ابن ماجه (2441) . ورواه الحاكم (2/ 51) . وهوَ حسنٌ لكثرةِ طرقهِ. ومعنَى غلقُ الرهنِ: أن يقولَ المرتهنُ للراهنِ: إنْ لم توفني ديني أخذتُ الرهنَ.
(¬4) رواه البخاري في صحيحه.

الصفحة 309