كتاب منهاج المسلم
وشرطَ الواقفُ المذكورُ أنْ لَا يؤجَّرَ وقفهُ هذَا، ولَا شيءَ منهُ لأكثرَ منْ سنةٍ فمَا فوقهَا، وأنْ لَا يدخلَ المؤجر عقدًا علَى عقد حتى تنقضِي مدَّةُ العقدِ الأوّلِ، ويعودَ المأجورُ إلَى يدِ الناظرِ وأمرهِ.
أخرجَ الواقفُ هذَا الوقفَ عنْ ملكهِ، وقطعهُ منْ مالهِ، وصيَّرهُ صدقةً بتةً بتلةً مؤبدةً جاريةً فيِ الوقفِ المذكورِ علَى الحكمِ الشّرعي المشروحِ أعلاهُ، حالًا ومآلًا، وتعذُّرًا وإمكانًا، ورفعَ عنهُ ملكهُ، ووضعَ عليهِ يدَ ناظرهِ وولايتهُ.
وقدْ تمّ هذَا الوقفُ ولزمَ ونفذَ حكمهُ، وأبرمَ وصارَ وقفًا منْ أوقافِ المسلمينَ، لَا يحلُّ لأحدٍ أنْ ينقضَ هذَا الوقفَ، أوْ يغيرهُ، أوْ يفسدهُ، أوْ يعطِّلهُ بأمرٍ، ولَا بفتوَى، ولَا مشورةٍ، ولَا حيلةٍ، وهوَ يستعدِي (¬1) اللّهَ عز وجل علَى منْ قصدَ وقفهُ هذَا بإفسادٍ أوِ اعتداءٍ، ويحاكمهُ لديهِ ويخاصمة بينَ يديهِ يومَ فقرهِ وفاقتهِ، وذلَّتهِ ومسكنتهِ، يومَ لَا ينفعُ الظّالمينَ معذرتهم ولهمُ اللَّعنة، ولهم سوءُ الدّارِ. وقبلَ الواقفُ المشارُ إليهِ مالهُ قبولهُ منْ ذلكَ قبوله شرعيًّا، وأشهدَ علَى نفسهِ الكريمةِ بذلكَ، وهوَ بحالِ الصِّحَّةِ والسلامةِ والطّواعيةِ والاختيارِ، وجوازِ أمرهِ شرعًا.
حرِّرَ ذلكَ بتاريخِ كذَا ...
المادةُ التاسعةُ: فِي الهبةِ، والعمرَى، والرُّقبَى:
أ- الهبةُ:
1 - تعريفهَا: الهبةُ، هيَ تبرعُ الرشيدِ بمَا يملكُ منْ مال أوْ متاع مباح، كأنْ يهبَ مسلمٌ لآخرَ دارًا أوْ ثيابًا أوْ طعامًا أوْ يعطيهُ دراهمَ ودنانيرَ.
2 - حكمهَا: الهبةُ كالهديةِ مستحبتانِ؛ إذْ همَا منَ الخيرِ المرغبِ فيِ فعلهِ والمسابقةِ إليهِ بقولهِ تعالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]. وقوله تعالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]. وقولهِ سبحانه: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177]. وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "تهادُوا تحابّوا وتصافحُوا يذهبِ الغلُّ عنكم" (¬2). وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "العائدُ في هبتهِ كالعائدِ في قيئهِ" (¬3)؛ وقولِ عائشةَ - رضي الله عنها -: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلُ الهديَّةَ ويثيبُ عليهَا" (¬4). وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ سرة أنْ يبسطَ لهُ فيِ رزقهِ وأنْ
¬__________
(¬1) يستعدِي اللْهَ: يستغيثهُ ويستعينهُ ويستنصرهُ.
(¬2) رواه الإمام مالك في الموطأ (908). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (6/ 169).
(¬3) رواه البخاري (3/ 15). ورواه أبو داود (3538). ورواه النسائي (6/ 266، 267).
(¬4) رواه البخاري (3/ 206).
الصفحة 333