كتاب منهاج المسلم
"إنّ اللَّهَ عز وجل يبسطُ يدهُ باللّيلِ ليتوبَ مسيءُ النّهارِ، ويبسطُ يده بالنَّهارِ ليتوبَ مسيءُ اللَّيلِ حتَّى تطلعَ الشَّمس منْ مغربهَا" (¬1) وقولهُ: "للّهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ منْ رجلٍ فيِ أرضٍ دويةٍ (¬2) مهلكةٍ معهُ راحلتهُ عليهَا طعامه وشرابه، فنامَ فاستيقظَ وقدْ ذهبتْ فطلبهَا حتَّى أدركه العطش، ثمَّ قالَ أرجع إلَى مكاني الَّذِي كنتُ فيهِ فأنامُ حتَّى أموتَ فوضعَ رأسه علَى ساعدهِ ليموتَ فاستيقظَ وعندهُ راحلتهُ وعليهَا زادهُ وطعامهُ وشرابُه، فاللَّهُ أشدُّ فرحا بتوبةِ العبدِ المؤمنِ منْ هذَا براحلتهِ وزادهِ" (¬3) . ومَا رويَ منْ أنَّ الملائكةَ هنّأتْ آدمَ بتوبتهِ لماّ تابَ اللّهُ عليهِ (¬4) .
ب- المراقبةُ: وهيَ أنْ يأخذَ المسلمُ نفسه بمراقبةِ اللَّهِ تباركَ وتعالَى، ويلزمهَا إيَّاهَا فيِ كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ الحياةِ حتَّى يتم لهَا اليقين بأنَّ اللّهَ مطَّلع عليهَا، عالم بأسرارهَا، رقيب علَى أعمالِها، قائم عليهَا وعلَى كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، وبذلكَ تصبحُ مستغرقةً بملاحظةِ جلالِ اللّهِ وكمالهِ، شاعرة بالأنس فيِ ذكرهِ، واجدةً الراحةَ في طاعتهِ، راغبةً فيِ جوارهِ، مقبلةً عليهِ، معرضةً عمَّا سواهُ. وهذَا معنَى إسلام الوجهِ في قولَهِ تعالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125] . وقولهِ سبحانه: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22] . وهوَ عين مَا دعَا إليهِ اللّهُ تعالَى فيِ قولهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235] . وقولهِ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] . وقولهِ سبحانه: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] . وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراة فإنهُ يراكَ" (¬5) .
وهوَ نفس مَا درجَ عليهِ السابقونَ الأوَّلونَ من سلف هذهِ الأمَّةِ الصَّالحِ إذْ أخذُوا بهِ أنفسهم حتَّى تمَّ لهمُ اليقينُ، وبلغُوا درجةَ المقربينَ، وهَا هِي ذِي آثارهم تشهد لهمْ:
1 - قيلِ للجنيدِ رحمهُ اللّهُ: بمَ يستعانُ علَى غضِّ البصرِ؟ قالَ: بعلمكَ أنَّ نظرَ النَّاظرِ إليكَ أسبقُ منْ نظركَ إلَى المنظورِ لهُ.
2 - قالَ سفيانُ الثوريُّ: عليكَ بالمراقبةِ ممَّنْ لَا تخفَى عليهِ خافيةٌ، وعليكَ بالرَّجاءِ ممَّنْ يملكُ الوفاءَ، وعليكَ بالحذرِ ممنْ يملكُ العقوبةَ.
¬__________
(¬1) رواه مسلم (31) كتاب التوبة.
(¬2) الدوية: فلاة خالية من الناس.
(¬3) رواه مسلم (1) كتاب التوبة. ورواه الإِمام أحمد (2/ 316) ، (3/ 213) .
(¬4) الغزالي في الإحياء.
(¬5) متفق عليه بلفظ: أن تعبد، وبلفظ (اعبد الله) في مسند الإمام أحمد (2/ 132) وفتح الباري (11/ 234) وحلية الأولياء (6/ 115) .
الصفحة 69