كتاب منهاج المسلم
3 - قالَ ابنَ المباركِ لرجلٍ: راقبِ اللّهَ يَا فلانُ، فسألهُ الرَجلُ عنِ المراقبةِ فقالَ لهُ: كنْ أبدًا كأنكَ ترَى اللّهَ عز وجل.
4 - قالَ عبدُ اللّهِ بنُ دينَارٍ: خرجتُ معَ عمرَ بنِ الخطَّابِ إلَى مكَة فعرَّسنَا ببعضِ الطريقِ فانحدرَ علينَا راعٍ منَ الجبلِ، فقالَ لهُ عمر: يَا راعِي! بعنَا شاةً منْ هذهِ الغنم، فقالَ الراعِي: إنه مملوكٌ؛ فقالَ لهُ عمرُ: قلْ لسيدكَ: أكلهَا الذِّئبُ، فقالَ العبدُ: أينَ اللَّهُ؟ فبكَى عمرُ، وغدَا علَى سيدِ الراعِي فاشتراهُ منهُ وأعتقهُ.
5 - حكيَ عنْ بعضِ الصالحينَ أنَّهُ مر بجماعةٍ يترامونَ، وواحدٍ جالسٍ بعيدًا عنهم فتقدّمَ إليهِ وأرادَ أنْ يكلِّمهُ، فقالَ لهُ: ذكر اللّهِ أشهَى، قالَ: أنتَ وحدكَ؟. فقالَ: معِي ربي وملكَاي، قالَ لهُ: منْ سبقَ منْ هؤلاءِ؟ فقالَ: منْ غفرَ اللّهُ لهُ، قالَ: أينَ الطَّريقُ؟ فأشارَ نحوَ السَّماءِ، وقامَ ومشَى.
6 - وحكيَ أنَّ "زُليخَا" لماَّ خَلَتْ بيوسفَ عليه السلام قامتْ فغطَّتْ وجهَ صنمٍ لهَا، فقالَ يوسفُ - عليه السلام -: مالكِ؟! أتستحينَ منْ مراقبةِ جمادٍ ولَا أستحِي منْ مراقبةِ الملكِ الجبَّارِ؟!.
وأنشدَ بعضهم:
إذَا مَا خلوتَ الدَّهرَ يومًا فلَا تقلْ ... خلوتُ، ولكنْ قلْ عليَّ رقيبُ
ولَا تحسبنَّ اللّهَ يغفلُ ساعة ... ولَا أنَّ مَا تُخفِي عليهِ يغيبُ
ألمْ ترَ أنَّ اليومَ أسرعُ ذاهبٍ ... وأنَّ غدًا للنَّاظرينَ قريبُ
ج - المحاسبةُ: وهيَ أنَّهُ لماَّ كانَ المسلمُ عاملًا في هذهِ الحياةِ ليلَ نهارَ علَى مَا يسعدهُ فيِ الدَّارِ الآخرةِ، ويؤهلهُ لكرامتهَا ورضوانِ اللّهِ فيهَا، وكَانتَ الدّنيَا هيَ موسمُ عملهِ، كانَ عليهِ أنْ ينظرَ إلَى الفرائضِ الواجبةِ عليهِ كنظرِ التَّاجرِ إلَى رأسِ مالهِ، وينظرَ إلَى النَّوافلِ نظرَ التَّاجرِ إلَى الأرباحِ الزَّائدةِ علَى رأس المالِ، وينظرَ إلَى المعاصِي والذُنوبِ كالخسارةِ فيِ التجارةِ، ثمَّ يخلوَ بنفسهِ ساعة منْ آخرِ كل يوم يحاسبُ فيهَا نفسهُ علَى عملِ يومهِ، فإنْ رأَى نقصًا فيِ الفرائضِ لامهَا ووبَّخهَا، وقامَ إلَى جبرهِ في الحالَ. فإنْ كانَ ممَّا يُقضَى قضاهُ، وإنْ كانَ ممَّا لَا يقضَى جبرهُ بالإكثارِ منْ النَّوافلِ، وإنْ رأَى نقصاً فيِ النَّوافلِ عوَّضَ النَّاقصَ وجبرهُ، وإنْ رأَى خسارةً بارتكابِ المنهي استغفرَ وندمَ وأنابَ وعملَ منَ الخيرِ مَا يراهُ مصلحاً لماَ أفسدَ.
هذَا هوَ المرادُ منْ المحاسبةِ للنفس، وهيَ إحدَى طرقِ إصلاحهَا، وتأديبهَا وتزكيتهَا وتطهيرهَا.
الصفحة 70