كتاب منهاج المسلم
وأدلَّتهَا مَا يأتِي:
قالَ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] ، فقولهُ تعالَى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ} هو أمرٌ بالمحاسبةَ للنفسَ علَى ما قدَّمتْ لغدهَا المنتظَرِ، وقالَ تعالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] . وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لأتوبُ إلَى اللهِ، وأستغفرهُ في اليومِ مائةَ مرَّةٍ" (¬1) . وقالَ عمرُ - رضي الله عنه -: حاسبوا أنفسكم قبلَ أنْ تحاسبُوا (¬2) . وكانَ - رضي الله عنه - إذَا جن عليهِ اللّيلُ يضربُ قدميهِ بالدِّرةِ (عصًا) ويقُول لنفسهِ: ماذَا عملتِ اليومَ؟.
وأبُو طلحةَ - رضي الله عنه - لماَّ شغلتهُ حديقتهُ عنْ صلاتِه خرجَ منهَا صدقةً للّهِ تعالَى، فلم يكنْ هذَا منهُ إلاَّ محاسبةً لنفسهِ، وعتابًا لهَا وتأديبًا.
وحكيَ عن الأحنفِ بنِ قيسٍ أنَّهُ كانَ يجيءُ إلَى المصباحِ فيضعُ أصبعهُ فيهِ حتى يحسَّ بالنَّارِ، ثمّ يقولُ لنفسهِ يَا حنيفُ مَا حملكَ علَى مَا صنعتَ يومَ كذَا؟ مَا حملك علَى مَا صنعتَ يومَ كذَا؟.
وحكيَ أنَّ أحدَ الصّالحينَ كانَ غازيًا فتكشَّفتْ لهُ امرأةٌ فنظرَ إليهَا فرفعَ يدهَ، ولطمَ عينهُ ففقأهَا، وقالَ: إنَّكِ للحاظةٌ إلَى مَا يضركِ!.
ومرَّ بعضهم بغرفةٍ فقالَ: متَى بنيتْ هذهِ الغرفةُ؟. ثمّ أقبلَ علَى نفسهِ فقالَ: تسأليني عمَّا لَا يعنيكِ لأعاقبنَّكِ بصومِ سنةٍ فصامهَا. ورويَ أنَّ أحدَ الصَّالحينَ كانَ ينطلقُ إلَى الرمضاءِ فيتمرغُ فيهَا ويقولُ لنفسهِ: ذوقِي، ونارُ جهنَّمَ أشدُّ حرًّا، أجيفةٌ بالليلِ بطَّالةٌ بالنَّهارِ؟.
وإنَّ أحدهم رفعَ يومًا رأسهُ إلَى سطحٍ فرأَى امرأةً فنظرَ إليهَا فأخذَ علَى نفسهِ أنْ لَا ينظرَ إلَى السماءِ مَا دامَ حيًّا.
هكذَا كان الصالحونَ منْ هذهِ الأمَّةِ يحاسبونَ أنفسهم عنْ تفريطهَا، ويلومونهَا علَى تقصيرهَا، يلزمونهَا التقوَى، وينهونهَا عنِ الهوَى عملًا بقولهِ تعالَى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات] .
د- المجاهدةُ: وهيَ أنْ يعلمَ المسلمُ أنَّ أعدَى أعدائهِ إليهِ هوَ نفسهُ الَّتي بينَ جنبيهِ، وأنهَا
¬__________
(¬1) في مسلم بلفط: إنهُ ليغانُ علَى قلبِي، وإني لأستغفر اللهَ في كل يوم مائةَ مرة" وبهذَا اللفظِ رواهُ أبُو داودُ.
(¬2) وفي هذَا المعنَى مَا رواهُ الترمذي بسند حسنٍ عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الكيس من دانَ نفسهُ وعملَ لمَا بعدَ الموتِ، والعاجزُ منْ أتبعَ نفسهُ هواهَا وتمنَّى علَى اللهِ الأماني".
الصفحة 71