كتاب منهاج المسلم
بطعهَا ميالةٌ إلَى الشَّر، فرَّارةٌ منَ الخيرِ، أمَّارةٌ بالسّوء: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] تحبُّ الدَّعةَ والخلودَ إلَى الراحةِ، وترغبُ فيِ البطالةِ وتنجرفُ معَ الهوَى؛ تستهويهَا الشَّهواتُ العاجلةُ وإنْ كانَ فيهَا حتفهَا وشقاؤهَا.
فإذَا عرفَ المسلمُ هذَا، عبَّأَ نفسهُ لمجاهدةَ نفسهِ فأعلنَ عليهَا الحربَ وشهرَ ضدَّهَا السِّلاحَ وصمَّمَ علَى مكافحةِ رعوناتهَا، ومناجزةِ شهواتهَا، فإذَا أحبتِ الراحةَ أتعبهَا، وإذَا رغبتْ فيِ الشهوةِ حرَمهَا، وإذَا قصَّرتْ فيِ طاعةٍ أو خيرٍ عاقبهَا ولامهَا، ثم ألزمهَا بفعلِ مَا قصَّرتْ فيهِ، وبقضاءِ مَا فوَّتتهُ أوْ تركتهُ. يأخذهَا بهذَا التأديبِ حتى تطمئنَّ وتطهُرَ وتطيبَ، وتلكَ غايةُ المجاهدةِ للنفسِ. قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .
والمسلمُ إذْ يجاهدُ نفسهُ فيِ ذاتِ اللّهِ لتطيبَ وتطهرَ وتزكوَ وتطمئنَّ، وتصبحَ أهلاً لكرامةِ اللّهِ تعالَى ورضاهُ، يعلمُ أنَّ هذَا هوَ دربُ الصَّالحينَ وسبيلُ المؤمنينَ الصادقينَ فيسلكهُ مقتديًا بهم ويسيرُ معهُ مقتفيًا آثارهم. فرسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عز وجل قامَ اللَّيلَ حتَّى تفطرتْ قدماهُ الشَّريفتانِ، وسئلَ - صلى الله عليه وسلم - فيِ ذلكَ فقالَ: "أفلَا أحب أن أكونَ عبدًا شكورًا؟ " (¬1) . أيُّ مجاهدةً أكبر من هذهِ المجاهدةِ وايمُ اللّهِ؟!. وعلي - رضي الله عنه - يتحدَّثُ عنْ أصحابِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فيقولُ: واللّهِ لقدْ رأيتُ أصحابَ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ومَا أرَى شيئًا يشبههم كانُوا يصبحونَ شعثا غبراً صفرًا قدْ باتُوا سجدًا وقيامًا، يتلونَ كتابَ اللّهِ يراوحونَ بينَ أقدامهم وجباههم، وكانُوا إذَا ذُكرَ اللّهُ مادُوا كمَا يميدُ الشجرُ فيِ يومِ الريحِ، وهملتْ أعينهم حتى تبلَّ ثيابهم.
وقالَ أبو الدّرداءِ - رضي الله عنه -: لولَا ثلاثٌ مَا أحببتُ العيشَ يومًا واحدًا: الظَّمأُ للّهِ بالهواجرِ، والسجودُ لهُ فيِ جوفِ اللَّيلِ، ومجالسةُ أقوامٍ ينتقونَ أطاييبِ الكلامِ كمَا ينتقَى أطايبُ الثَّمَرِ.
وعاتبَ عمر بنُ الخطَّابِ - رضي الله عنه -، نفسهُ علَى تفويتِ صلاةِ عصرٍ فيِ جماعةٍ، وتصدَّقَ بأرضٍ منْ أجلِ ذلكَ تقدَّرُ قيمتهَا بمائتي ألفِ درهيم. وكانَ عبدُ اللّهِ بنُ عمرَ - رضي الله عنه - إذَا فاتتهُ صلاةٌ فيِ جماعةٍ أحيَا تلكَ اللّيلةَ بكاملهَا، وأخَّرَ يومًا صلاةَ المغربِ حتَّى طلعَ كوكبانِ فأعتقَ رقبتينٍ.
وكانَ عليّ - رضي الله عنه - يقولُ: رحمَ اللّهُ أقوامًا يحسبهمُ النَّاسُ مرضَى، ومَا هم بمرضَى، وذلكَ منْ آثارِ مجاهدةِ النَّفسِ. والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "خيرُ النَّاسِ منْ طالَ عمرهُ، وحسنَ عملهُ" (¬2) .
¬__________
(¬1) في صحيح البخاري كتاب التهجد (6) ومسلم كتاب المنافقين (79/ 81) وغيرهما.
(¬2) الترمذي (2329) وحسنه.
الصفحة 72