كتاب منهاج المسلم

وكانَ أويسٌ القرني رحمهُ اللّهُ تعالَى يقولُ: هذهِ ليلةُ الركوعِ فيحصيِ اللَّيلَ كلهُ في ركعةٍ، وإذَا كانتِ اللّيلةُ الآتيةُ قالَ: هذهِ ليلةُ السجودِ فيحييِ اللَّيلَ كلّهُ فيِ سجدةٍ (¬1). وقال ثابت البنَّاني رحمهُ اللّهُ: أدركتُ رجالًا كانَ أحدهم يصلِّي فيعجزُ أنْ يأتيَ فراشهُ إلاَّ حبوًا. وكانَ أحدهمْ يقومُ حتى تتورَّمَ قدماهُ منْ طولِ القيامِ، ويبلغَ منَ الاجتهادِ في العبادةِ مبلغًا مَا لوْ قيلَ لهُ: القيامةُ غدًا مَا وجدَ مزيدًا. وكانَ إذَا جاءَ الشِّتاءُ يقومُ في السَّطحَ ليضربهُ الهواءُ الباردُ فلَا ينامُ، وإذَا جاءَ الصيفُ قامَ تحتَ السَّقفِ ليمنعهُ الحرُّ منَ النّوَمٍ، وكانَ بعضهم يموتُ وهوَ ساجدٌ. وقالتِ امرأةُ مسروقٍ رحمهُ اللّهُ تعالَى: كانَ مسروقٌ لا يوجدُ إلاَّ وساقاهُ منتفختانِ منْ طولِ القيامِ، وواللّهِ إنْ كنتُ لأجلسُ خلفهُ وهوَ قائمٌ يصلِّي فأبكِي رحمةً لهُ. وكانَ منهم منْ إذَا بلغَ الأربعينَ منْ عمرهِ طوَى فراشهُ فلَا ينامُ عليهِ قط. ويروَى أنَّ امرأةً صالحةً منْ صالحي السلفِ يقالُ لهَا "عجرةُ" مكفوفةَ البصر كانتْ إذَا جاءَ السحرُ نادتْ بصوتٍ لهَا محزون: إليكَ قطعَ العابدونَ دُجَى اللَّيالي يستبقونَ إلَى رحمتكَ، وفضلِ مغفرتكَ، فبكَ يَا إلهِي أسألكَ لَا بغيركَ أنْ تجعلني فيِ أوّلِ زمرةِ السابقينَ، وأنْ ترفعني لديكَ في علِّيينَ، في درجةِ المقرَّبينَ، وأنْ تلحقني بعبادكَ الصَّالحينَ، فأنتَ أرحمُ الراحمينَ وأعظمُ الَعظماءِ، وأَكرمُ الكرماءِ، يَا كريمُ، ثم تخرُّ ساجدةً ولَا تزالُ تدعُو وتبكِي إلَى الفجرِ.
*****

الفصلُ السَّادسُ: فِي الأدبِ معَ الخلقِ
1 - الوالدانِ:
يؤمنُ المسلمُ بحقِّ الوالدينِ عليهِ وواجب برهمَا وطاعتهمَا والإحسانِ إليهمَا لَا لكونهمَا سببَ وجودهِ فحسبُ، أوْ لكونهمَا قدّمَا لهُ منَ الجميل والمعروفِ مَا وجب معهُ مكافأتهمَا بالمثلِ، بلْ لأنّ اللّهَ عز وجل أوجب طاعتهمَا، وكتبَ علَى الولدِ برهمَا والإحسانَ إليهمَا حتَّى قرنَ ذلكَ بحقِّهِ الواجب لهُ منْ عبادتهِ وحدهُ دونَ غيرهِ فقالَ عز وجل: {وَقَضَى (¬2) رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24]. وقالَ سبحانهُ وتعالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ
¬__________
(¬1) أورد هذه الآثار الطيبة الإمام الغزالي في الإحياء.
(¬2) قضَى: أمرَ وألزمَ.

الصفحة 73