كتاب منهاج المسلم
وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] .
فهذهِ الآية الكريمةُ قدْ أثبتتْ لكلِّ منَ الزَّوجينِ حقوقًا علَى صاحبهِ وخصَّتِ الرجلَ بمزيدِ درجةٍ لاعتباراتٍ خاصَّةٍ. وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيِ حجّةِ الوداعِ: "ألَا إن لكم علَى نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا" (¬1) . غيرَ أنَّ هذهِ الحقوقَ بعضهَا مشتركٌ بينَ كلِّ منَ الزَّوجينِ، وبعضهَا خاصّ بكل منهمَا علَى حدةٍ.. فالحقوقُ المشتركةُ هيَ:
1- الأمانةُ؛ إذْ يجبُ علَى كل من الزَّوجيِن أنْ يكونَ أمينًا معَ صاحبهِ فلَا يخونهُ فيِ قليلٍ ولَا كثيرٍ، إذِ الزوجانِ أشبهُ بشريكينِ فلابدَّ منْ توفُّرِ الأمانةِ، والنصحِ والصِّدقِ والإخلاصِ بينهمَا فيِ كلِّ شأنٍ منْ شؤونِ حياتهمَا الخاصةِ والعامَّةِ.
2 - المودَّةُ والرحمةُ بحيثُ يحملُ كلٌّ منهمَا لصاحبهِ أكبرَ قدرٍ منَ المودةِ الخالصةِ، والرحمةِ الشَّاملةِ يتبادلانهَا بينهمَا طيلةَ الحياةِ مصداقًا لقولهِ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] . وتحقيقا لقولِ الرسولِ عليهِ الصلاة والسَّلامُ: "منْ لَا يرحمُ لَا يرحمُ" (¬2) .
3 - الثقةُ المتبادلةُ بينهمَا بحيثُ يكونُ كلّ منهمَا واثقًا فيِ الآخرِ ولَا يخامرهُ أدنَى شك فيِ صدقهِ ونصحهِ وإخلاصهِ لهُ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يؤمنُ أحدكم حتّى يحبَّ لأخيهِ مَا يحبُّ لنفسهِ" (¬3) . والرابطةُ الزوجيةُ لَا تزيدُ أخوّةَ الإيمانِ إلاَّ توثيقًا وتوكيدًا وتقوية.. وبذلكَ يشعرُ كل منَ الزَّوجينِ أنَّهُ هوَ عينُ الآخرِ وذاتهُ، وكيفَ لَا يثقُ الإنسانُ فيِ نفسهِ ولَا ينصحُ لهَا؟ أوْ كيفَ يغش المرءُ نفسهُ ويخدعهَا؟.
4 - الآدابُ العامَّةُ منْ رفقٍ في المعاملةِ، وطلاقةِ وجهٍ، وكرمِ قولٍ وتقديرٍ واحترامٍ، وهيَ المعاشرةُ بالمعروفِ الَّتي أمرَ اللّهُ بها في قولهِ تعالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] .
وهيَ الاستيصاءُ بالخيرِ الذِي أمرَ بهِ الَرسولُ العطيمُ فيِ قولهِ: "واستوصُوا بالنساءِ خيرًا" (¬4) .
فهذهِ جملةٌ منَ الآدابِ المشتركةِ بينَ الزَّوجينِ، والّتي ينبغِي أنْ يتبادلاهَا بينهمَا عملاً بالميثاقِ الغليظِ الَّذِي أشيرَ إليه فيِ قولهِ تعالَى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ
¬__________
(¬1) رواه الترمذي (1163) وصححه. وذكره القرطبي في تفسيره (5/ 173) .
(¬2) رواه البخاري (8/ 9، 12) . ورواه مسلم (65) كتاب الفضائل. ورواه أبو داود (157) كتاب الأدب.
(¬3) رواه البخاري (1/ 10) . ورواه مسلم (17) كتاب الإِيمان. ورواه الترمذي (2515) .
(¬4) رواه البخاري كتاب الأنبياء (1) .
الصفحة 77