كتاب منهاج المسلم

يغبطهمُ النَّبيُّونَ والشُّهداءُ " فقالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ صفهمْ لنَا. فقالَ: "المتحابّونَ في اللّهِ، والمتجالسونَ فِي اللَّهِ، والمتزاورونَ في اللَّهِ" (¬1) . وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللَّهَ تعالَى يقولُ: حقَّتْ محبَّتِي للّذينَ يتزاورونَ منْ أجلي، وحقَّتْ محبَّتِي للَّذينَ يتناصرونَ منْ أجلِي" (¬2) وقولهِ: "سبعةٌ يظلّهمُ اللَّهُ فيِ ظلّهِ يومَ لَا ظلَّ إلاَّ ظلُّهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأَ فيِ عبادةِ اللَّهِ تعالَى، ورجلٌ قلبهُ معلَّقٌ بالمسجدِ إذَا خرجَ منهُ حتَّى يعودَ إليهِ، ورجلانِ تحابَّا في اللَّهِ فاجتمعَا علَى ذلكَ، وتفرَّقَا عليهِ، ورجلٌ ذكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ، ورجلٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ حسبٍ وجمال فقالَ: إني أخافُ اللّهَ تعالَى، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاهَا حتَّى لَا تعلمَ شمالهُ مَا تنفقُ يمينهُ" (¬3) . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ رجلاً زارَ أخًا لهُ في اللَّهِ فأرصدَ اللّهُ لهُ ملكًا، فقالَ: أينَ تريدُ؟ قالَ: أريدُ أنْ أزورَ أخِي فلانًا. فقالَ: لحاجةٍ لكَ عندهُ؟ قالَ: لا. قالَ: لقرابةٍ بينكَ ويينهُ؟ قالَ: لَا. قالَ: فبنعمةٍ لكَ عندهُ؟. قالَ: لَا. قالَ: فبمَ؟ قالَ: أحبُّهُ في اللّهِ. قالَ: فإنّ اللَّهَ أرسلني إليكَ أخبركَ بأنه يحبّكَ لحبكَ إيَّاهُ، وقدْ أوْجب لكَ الجنَّةَ" (¬4) .
وشرطُ هذهِ الأخوَّةِ أنْ تكونَ للّهِ وفيِ اللّهِ بحيثُ تخلُو منْ شوائبِ الدّنيا وعلائقهَا المادّيةِ بالكلّيةِ، ويكونُ الباعثُ عليهَا الإيمانُ باللّهِ لَا غيرَ.
وأما آدابهَا فهيَ أنْ يكونَ المتَّخذُ أخًا:
1 - عاقلًا، لأنَّهُ لَا خيرَ فيِ أخوَّةِ الأحمقِ وصحبتهِ؛ إذْ قدْ يضرُّ الأحمقُ الجاهلُ منْ حيثُ يريدَ أنْ ينفعَ.
2 - حسنَ الخلُق، إذْ سيئُ الخلقِ وإنْ كانَ عاقلًا فقدْ تغلبهُ شهوةٌ أوْ يتحكَّمُ فيهِ غضبٌ فيسيءُ إلَى صاحبهِ.
3 - تقيًّا؛ لأنَّ الفاسقَ الخارجَ عنْ طاعةِ ربهِ لَا يؤمنُ جانبهُ، إذْ قدْ يرتكبُ ضدَّ صاحبهِ جريمةً لَا يبالي معهَا بأخوَّةٍ أوْ غيرِهَا؛ لأنَّ منْ لَا يخافُ الله تعالَى لَا يخافُ غيرهُ بحالٍ منْ الأحوالِ.
4 - ملازما للكتابِ والسنَّةِ بعيدًا عنِ الخرافةِ والبدعةِ؛ إذْ المبتدعُ قدْ ينالُ صديقهُ منْ شؤمِ بدعتهِ، ولأنَّ المبتدعَ وصاحبَ الهوَى هجرتهمَا متعينةٌ، ومقاطعتهمَا لازمةٌ، فكيفَ تمكنُ
¬__________
(¬1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (6/ 174) . (2/ 156) . رواهُ مسلم بلفظ أخصرَ منْ هذَا. واللفظُ المثبتُ هنَا ذكرهُ الغزالي في الإحياءِ وقالَ الزين العراقي: رواهُ مسلم ولم يشر إلَى أن اللفظَ ليسَ لفظَ مسلم الذِي في صحيحهِ. الإحياءُ 2/ 157.
(¬2) رواهَ الإِمام أحمد (5/ 237، 239) .
(¬3) رواه البخاري (1/ 168) ، (2/ 138) . ورواه مسلم (3) كتاب الزكاة.
(¬4) رواه مسلم (38) كتاب البر والصلة.

الصفحة 94