كتاب منهاج المسلم

خُلّتهمَا وصداقتهمَا.
وقدْ أوجزَ هذهِ الآدابَ فيِ اختيارِ الأصحابِ أحدُ الصَّالحينَ فقالَ يوصِي ابنهُ:
يَا بني إذَا عرضتْ لكَ إلَى صحبةِ الرجالِ حاجةٌ فاصحبْ منْ إذَا خدمتهُ صانكَ، وإنْ صحبتهُ زانكَ، وإنْ قعدتْ بكَ مؤونةٌ مانكَ. اصحبْ منْ إذَا مددتَ يدكَ بخيرٍ مدّهَا، وإنْ رأَى منكَ حسنةً عدهَا، وإنْ رأَى سيئةً سدّهَا؛ اصحب منْ إذَا سألتهُ أعطاكَ، وإنْ سكتَّ ابتداكَ، وإنْ نزلتْ بكَ نازلةٌ واساكَ؛ اصحبْ منْ إذَا قلتَ صدَّقَ قولكَ، وإنْ حاولتمَا أمرًا أمَّرَك، وإنْ تنازعتمَا شيئًا آثركَ.

حقوقُ الأخوَّةِ فِي اللهِ:
ومن حقوقِ هذهِ الأخوَّةِ مَا يلي:
1 - المواساةُ بالمالِ (¬1)، فيواسِي كلٌّ منهمَا أخاهُ بمالهِ إنْ احتاجَ إليهِ، بحيثُ يكونُ دينارهمَا ودرهمهمَا واحدًا لَا فرقَ بينهمَا فيهِ، كمَا رويَ عنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - إذْ أتاهُ رجلٌ فقالَ: إنِّي أريدُ أنْ أؤاخيكَ فيِ الله، قالَ: أتدرِي مَا حقُّ الإخاءُ؟ قالَ: عرفني، قالَ: لَا تكونُ أحقُّ بديناركِ ودرهمكَ منِّي. قالَ: لمَ أبلغْ هذهِ المنزلةَ بعدُ، قالَ: فاذهبْ عني.
2 - أنْ يكونَ كلٌّ منهمَا عونًا لصاحبهِ يقضِي حاجتهُ ويقدّمهَا علَى نفسهِ، يتفقَّدُ أحوالهُ كمَا يتفقَّدُ أحوالَ نفسهِ، ويؤثرهُ علَى نفسهِ، وعلَى أهلهِ وأولادهِ، يسألُ عنهُ بعدَ كلِّ ثلاثٍ فإنَ كانَ مريضًا عادهُ، وإنَّ كانَ مشغولًا أعانهُ، وإنْ كانَ ناسيًا ذكَّرهُ، يرحِّبُ بهِ إذَا دنَا، ويوسّعُ لهُ إذَا جلسَ، ويصغِي إليهِ إذَا حدَّثَ.
3 - أنْ يكفَّ عنهُ لسانهُ إلاَّ بخيرِ، فلَا يذكرَ لهُ عيبًا في غيبتهِ أوْ حضورهِ ولَا يستكشفَ أسرارهُ، ولَا يحاولَ التَّطلُّعَ إلَى خبايَا نفسهِ، وإذَا رآهُ فيِ طريقهِ لحاجة منْ حاجاتِ نفسهِ فلَا يفاتحهُ فيِ ذكرهَا، ولَا يحاولَ التَّعرفَ إلَى مصدرهَا أوْ موردهًا، يتلطف فيِ أمرهِ بالمعروفِ، أوْ نهيهِ عنَ المنكرِ، لَا يماريهِ فيِ الكلامِ ولَا يجادلهُ بحق أوْ بباطلٍ. لَا يعاتبهُ فيِ شيءٍ ولَا يعتبُ عليهِ فيِ آخرَ.
4 - أنْ يعطيهُ منْ لسانهِ مَا يحبُّهُ منة، فيدعوهُ بأحبِّ أسمائهِ إليهِ، ويذكرهُ بالخيرِ فيِ الغيبةِ والحضورِ، يبلِّغهُ ثناءَ النَّاسِ عليهِ، مظهرًا اغتباطَهُ بذلكَ، وفرحهُ بهِ. لَا يسترسلُ فيِ نصحهِ فيقلقهُ، ولَا ينصحهُ أمامَ النَّاسِ فيفضحهُ. كمَا قالَ الإمامُ الشَّافعي رحمهُ اللّهُ تعالَى: منْ وعظَ
¬__________
(¬1) المواساة: المعاونةُ والمساعدةُ.

الصفحة 95