كتاب منهاج المسلم
أخاهُ سرًّا فقدْ نصحهُ وزانهُ، ومنْ وعظهُ علانيةً فقدْ فضحهُ وشانهُ.
5 - يعفُو عنْ زلَّاتهِ، ويتغاضَى عنْ هفواتهِ، يسترُ عيوبهُ، ويحسنُ بهِ ظنونهُ، وإنِ ارتكبَ معصيةً سراً أوْ علانيةً فلَا يقطعُ مودّتهُ، ولَا يُهملُ أُخوتهُ، بلْ ينتظرُ توبتهُ وأوبتهُ، فإنْ أصر فلهُ صرمهُ وقطعهُ، أوْ الإبقاءُ علَى أخوَّتهِ معَ إسداءِ النَّصيحةِ، ومواصلةِ الموعظةِ رجاءَ أنْ يتوبَ فيتوبُ اللّهُ عليهِ. قالَ أبُو الدَّرداءِ - رضي الله عنه -: إذَا تغيَّرَ أخوكَ، وحالَ عما كانَ عليهِ فلَا تدعهُ لأجلِ ذلكَ، فإن أخاكَ يعوجُّ مرةً ويستقيمُ أخرَى.
6 - أنْ يفيَ له الأخوَّةِ فيثبتَ عليهَا ويديمَ عهدهَا؛ لأنَّ قطعهَا محبطٌ لأجرهَا، وإنْ ماتَ نقلَ المودةَ إلَى أولادهِ، ومنْ والاهُ منْ أصدقائهِ، محافظةً علَى الأخوَّةِ ووفاءً لصاحبهَا.
فقدْ أكرمَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عجوزًا دخلتْ عليهِ فقيلَ لهُ فيِ ذلكَ فقالَ: "إنهَا كانتْ تأتينَا أيامَ خديجةَ، وإنَّ كرمَ العهدِ منَ الدِّينِ" (¬1) . ومنَ الوفاءِ أنْ لَا يصادقَ عدوَّ صديقهِ، إذْ قالَ الشافعي رحمهُ اللّهُ تعالَى: إذَا أطاعَ صديقُكَ عدوَّكَ، فقدِ اشتركَا فيِ عداوتكَ.
7 - أنْ لَا يكلِّفهُ مَا يشقُّ عليهِ، وأنْ لَا يحملهُ مَا لَا يرتاحُ معهُ فلَا يحاولُ أنْ يستمدَّ منهُ شيئًا منْ جاهٍ، أوْ مالٍ، أوْ يلزمهُ بالقيامِ بأعمالٍ، إذْ أصلُ الأخوَّةُ كانتْ للهِ فلَا ينبغِي أنْ تحوّلَ إلَى غيرهِ منْ جلبِ منافعِ الدنيَا، أوْ دفع المضارِّ. وكمَا لَا يكلفهُ لَا يجعلهُ يتكلفُ لهُ إذْ كلاهمَا مخلٌّ بالأخوَّةِ مؤثِّرٌ فيهَا منقصٌ منْ أَجرهَا المقصودِ منهَا، فعليهِ أنْ يطويَ معهُ بساطَ التَّزمتِ والتكلفِ والتحفظِ، إذْ بهذهِ تحصلُ الوحشةُ المنافيةُ للألفةِ. وقدْ جاءَ في الأثرِ: أنَا وأتقياءُ أمَّتِي برآءُ منُ التكلُّفِ. وقالَ بعضُ الصَّالحينَ: منْ سقطتْ كلفتهُ، دامتْ ألَفتهُ، ومنْ خفَّتْ مؤونتهُ دامتْ مودَّتهُ. وآيةُ سقوطِ الكلفةِ الموجبةِ للأنسِ، والمذهبةُ للوحشةِ أنْ يفعلَ الأخُ في بيتِ أخيهِ أربعَ خصالٍ: أنْ يأكلَ في بيتهِ، ويدخلِ الخلاءَ عندهُ، ويصلِّيَ وينامَ معهُ، فإذَا فعَلَ هذهِ فقدْ تم الإخاءُ، وارتفعتِ الحشَمةُ الموجبةُ للوحشةِ، ووجدَ الأنسُ وتأكَّدَ الانبساطُ.
8 - أنْ يدعوَ له ولأولادهَ، ومنْ يتعلَّقُ بهِ بخيرِ مَا يدعُو بهِ لنفسهِ وأولادهِ ومنْ يتعلقُ بهِ، إذَ لَا فرقَ بينَ أحدهمَا والآخرِ بحكمِ الأخوَّةِ الَّتي جمعتْ بينهمَا، فيدعوَ لهُ حيًّا وميتًا وحاضرًا وغائبًا. قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "إذَا دعَا الرجلُ لأخيهِ في ظهرِ الغيبِ قالَ الملكُ: ولكَ مثلُ ذلكَ" (¬2) . وقالَ أحدُ الصَّالحينَ: أينَ مثلُ الأخِ الصَّاَلحِ؟ إن أهلَ الرجلِ إذَا ماتَ يقسمونَ ميراثهُ ويتمتَّعونَ بمَا خلّفَ، والأخُ الصَّالحُ ينفردُ بالحزنِ، مهتمًّا بمَا قدمَ أخوهُ عليهِ،
¬__________
(¬1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (6/ 235) .
(¬2) رواه أبو داود (1534) .
الصفحة 96