كتاب منهاج المسلم
والمسلمُ إذْ يلتزمُ هذهِ الآدابَ إنَّمَا يلتزمهَا لأمرينِ: أحدهمَا أنْ لَا يؤذيَ إخوانهُ بخلقهِ أوْ عملهِ؛ لأنَّ أذيَّةَ المسلمِ حرامٌ: "والمسلمُ منْ سلمَ المسلمونَ منْ لسانهِ ويدهِ". والثَّاني: أنْ يجلبَ محبَّةَ إخوانهِ ومؤالفتهمْ، إذْ أمرَ الشَّارعُ بالتَّحاببِ والمؤالفةِ بينَ المسلمينَ وحثّ علَى ذلكَ.
5 - إذَا أرادَ الجلوسَ فيِ الطرقاتِ فإنَّهُ يراعِي الآدابَ الآتيةَ:
أ- غض البصرِ، فلَا يفتحُ بصرهُ في مارَّةٍ منْ المؤمناتِ، أوْ واقفةٍ ببابهَا أوْ مستشرفةٍ علَى شرفاتِ منزلهَا، أوْ مطلَّةٍ علَى نافذتهَا لَحاجتهَا، كمَا لَا يرسلُ نظرهُ حاسدًا لأحدٍ، أوْ زاريًا علَى أحدٍ.
ب- أنْ يكفَّ أذاهُ عنِ المارَّةِ منْ سائرِ النَّاسِ فلَا يؤذيَ أحداً بلسانهِ سابًّا شاتمًا، أوْ عائبًا مقبحًا، ولا بيدهِ ضاربًا لاكمًا، ولَا سالبًا لمالِ غيرهِ غاصبًا، ولَا معترضًا فيِ الطَّريقِ صادًّا المارَّةَ، قاطعًا سبيلهم.
جـ- أنْ يردَّ سلامَ كل منْ سلَّمَ عليهِ منَ المارَّةِ؛ إذْ إنَّ ردَّ السلامِ واجبٌ لقولهِ تعالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .
د- أنْ يأمرَ بمعروفٍ تُرِكَ أمامهُ وأُهملَ شأنهُ وهوَ يشاهدهُ؛ إذْ هوَ مسؤولٌ في هذهِ الحالِ عنِ الأمرِ بهِ؛ لأنّ الأمرَ بالمعروفِ فريضةُ كل مسلمٍ يتعينُ عليهِ ولَا يسقطُ إلا بالقيامِ بهِ، ومثالهُ أنْ ينادِي المنادي للصَّلاةَ ولَا يجيبُ الحاضرونَ منْ أهلِ المجلسِ فإنَهُ يتعيَّنُ عليهِ أنْ يأمرهم بإجابةِ المنادِي للصلاةِ إذْ هذَا منَ المعروفِ فلما تركَ وجبَ عليهِ أنْ يأمرَ بهِ، ومثالٌ آخرَ أنْ يمر جائعٌ أؤ عاري فإنَّ عليهِ أنْ يطعمهُ أو يكسوهُ إنْ قدرَ علَى ذلكَ وإلا أمرَ بإطعامهِ أوْ كسوتهِ؛ إذْ إطعامُ الجائعِ وكسوةُ العارِي منْ المعروفِ الَّذِي يجبُ أنْ يؤمرَ بهِ إذَا تركَ.
هـ- أنْ ينهَى عنْ كلِّ منكرٍ يشاهدهُ يرتكبُ أمامهُ؛ إذْ تغييرُ المنكرِ كالأمرِ بالمعروفِ وظيفةُ كل مسلم لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ رأى منكم منكراً فليغيرهُ" (¬1) . ومثالهُ أنْ يبغيَ أمامهُ أحدٌ علَى آخرَ فيضربهُ أوْ يسلبهُ مالهُ، فإنّهُ يجبُ عليهِ فيِ هذه الحالِ أنْ يغيرَ المنكرَ فيقفَ فيِ وجهِ الظلمِ والعدوانِ فيِ حدودِ طاقتهِ ووسعهِ.
و- أنْ يرشدَ الضَّالَّ؛ فلَو استرشدهُ أحدٌ في بيانِ منزل، أوْ هدايةٍ إلَى طريقٍ، أوْ تعريفٍ بأحدٍ منْ الناسِ لوجبَ عليهِ أنْ يبينَ لهُ المنزلَ، أوْ يهديهُ الطريقَ، أوْ يعرفهُ بمنْ يريدُ معرفتهُ.
كل هذَا منْ آدابِ الجلوسِ فيِ الطرقاتِ، كأمامِ المنازلِ، والدكاكينِ والمقاهِي، أوِ
¬__________
(¬1) رواه مسلم (69) . ورواه الترمذي (2173) .
الصفحة 98