كتاب الهداية على مذهب الإمام أحمد

-رضي الله عنه-: ((لا يُضَحَّى بِمُقَابَلَةٍ، ولا مُدَابَرَةٍ، ولا خَرْقَاءَ، ولا شَرْقَاءَ)) (¬1)، وهذا نَهْيُ تَنْزيْهٍ ويُحْتَمَلُ الإِجْزَاءُ بِها؛ لأنَّ الْمُقَابَلَةَ: ما قُطِعَ شَيءٌ مِنْ مَقْدَمِ أُذُنِهَا وَبَقِيَ مُعَلَّقاً، والْمُدَابَرةَ: ما قُطِعَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِ أُذُنِهَا، والْخَرْقَاءَ: ما نَقَبَ الْكَيُّ أُذُنَهَا. والشَّرْقَاءَ: ما شُقَّ طَرَفُ أُذُنِهَا، ويُجْزِئُ الْخَصِيُّ.
فإنْ نَذَرَ أُضْحِيةً أو هَدْياً في ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ أو هَلَكَ في الطَّرِيقِ، فعَلَيه إِخْرَاجُ بَدَلِهِ؛ لأنَّ ذِمَّتَهُ لا تَبْرَأُ إلاَّ بإيْصَالِهِ إِلَى مستَحِقِّيْهِ وَفَارِقُ هَذَا ما عيَّنَهُ بِنَذْرِهِ؛ لأنَّهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَيْنِ فَسَقَطَ بِتَلَفِ الْعَيْنِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَمَانَةٌ في يَدِهِ لِلْفُقَرَاءِ، والأَمَانَةُ إِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيْطٍ فَلاَ ضَمَانَ كَالْوَدِيْعَةِ. وأيَّامُ النَّحْرِ ثَلاَثَةٌ: يَوْمُ العِيْدِ بَعْدَ صَلاَةِ العِيْدِ. أَو قَدَرَ الصَّلاَةِ (¬2)، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، فإِنْ خَرَجَ وَقْتُ النَّحْرِ ذبحَ الوَاجِبُ قَضَاءً، وَهُوَ بِالْخيارِ في التَّطَوّعِ، فإن ذبحَ فَهُوَ صَدَقَةٌ بِلَحْمٍ لا أُضْحِية.
والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدهَا اليُسْرَى (¬3)، وَهُوَ أنْ يَضْرِبَهَا بِالْحَرْبَةِ في الوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، ويَذْبَح البَقَرَ والغَنَمَ وإذا عَطِبَ الْهَدْيُ في الطَّريقِ نَحَرَهُ حَيْثُ عَطِبَ وَجَعَلَ (¬4) / 109 و / عَلَيْهِ عَلاَمَةً، وَهُوَ أنْ يَصْبُغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ وَيَضْرِبَ بِهِ صفحتهُ؛ لِيَعْرِفَهُ الفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، واللهُ أعلمُ بِالصَّوابِ.

بَابُ الأُضْحِيَةِ
قَالَ أَصْحَابُنَا: الأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللهُ - في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وأبي داود (¬5)، [و] (¬6) عَنْهُ: أنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الغِنَى (¬7)؛ لأنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ؛ أنَّ لَلْوَصِيِّ أن يُضَحِّيَ عَنِ اليَتِيْمِ مِنْ مَالِهِ، فَأَجْرَاهَا مَجْرَى الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الفِطْرِ، وَلَوْ كَانَتْ تَطَوُّعاً لَمْ يجز لَلْوَصِيِّ إِخْرَاجها كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (¬8). وإذا ثَبَتَ وُجُوْبُهَا؛ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ
¬__________
(¬1) سيفسر المصنف هَذِهِ الألفاظ ويذكر معانيها اللغوية.
(¬2) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين 197/ب.
(¬3) قَالَ المرداوي في إنصافه 4/ 82: ((هَذَا المذهب، وعليه الأصحاب. ونقل حنبل: يفعل كيف شاء باركة أو قائمة)).
(¬4) مكررة في الأصل.
(¬5) انظر: مسائل أبي داود: 255.
(¬6) زيادة ضرورية لاستقامة النص.
(¬7) انظر: شرح الزركشي 4/ 292 - 293.
(¬8) وهذا التخريج لَمْ يوافقه عَلَيْهِ أبو مُحَمَّد ابن قدامة، فرأى أن هَذَا النص من الإمام أحمد يخرج عَلَى سبيل التوسعة في يوم العيد، لا عَلَى سبيل الإيجاب.
انظر: المغني 11/ 95، وشرح الزركشي 4/ 292 - 293.

الصفحة 204