كتاب الهداية على مذهب الإمام أحمد
والقَافِلَةِ. ويَصِحُّ أَمَانُ المُسْلِمِ العَاقِلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَراً أو أُنْثَى أو حُرّاً أَو مَمْلُوكاً، واخْتَلَفَ أًصْحَابُنَا في الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ أَمَانُهُ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ في ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (¬1)، ويَصِحُّ أَمَانُ الأَسِيْرِ في دَارِ الحَرْبِ إِذَا عَقَدَهُ غَيْر مُكْرَهٍ، ومَنْ قَالَ لِمُشْرِكٍ: قِفْ وَأَلْقِ سِلاَحَكَ، أو لاَ بَأْسَ عَلَيْكَ، أو مَتَرْس - بالفَارِسِيَّةِ (¬2) - كَانَ أَمَاناً كَقَوْلِهِ: أَجَرْتُكَ وأَمَّنْتُكَ. وإِذَا أَعْطَى الإِمَامُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الحِصْنِ أَمَاناً فَلَمَّا فُتِحَ الحِصْنُ ادَّعَى كُلُّ رَجُلٍ منهم أَنَّ الأَمَانَ لَهُ، وأَشْكَلَ عَلَى الإِمَامِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ واسْتِرْقَاقُهُمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (¬3) / 116 ظ/: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فَهُوَ حُرٌّ وَيُسْتَرَقُّ البَاقُونَ، ومَنْ جَاءَ بِأَسِيْرٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَ المُسْلِمُ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (¬4)، والثَّانِيَةِ: قَوْلُ الأَسِيْرِ، والثَّالِثَةِ: يَرْجِعُ إلى قَوْلِ مَنْ ظَاهِرِ الحَالِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وإِذَا أَسَرُوا مُسْلِماً فَأَطْلَقُوُهُ بِشَرْطِ أَنْ يقيم عندهم مدة معلومة كانوا فِي أمان مِنْهُمْ ووجب عَلَيْهِ أن يفي لَهُمْ فإن أطلقوه بشرط أن يَكُوْنَ رَقِيْقاً لَهُمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ ويَسْرِقَ ويَهْرُبَ، وكَذَلِكَ إِنْ أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يَشْرطُوا عَلَيْهِ شَيْئاً، فَإِنْ خَلُّوا سَبِيْلَهُ عَلَى فِدًى يَبْعَثُهُ إِليْهِمْ مِنْ دَارِ الإِسْلاَمِ، ويَشْرِطُوا إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ عَادَ إِلَيْهِمْ لَزِمَهُ الوَفَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللهُ - (¬5)، وَقَالَ الخِرَقِيُّ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الوَفَاءِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ (¬6)، فَإِنْ كَانَ للَّذِي أَطْلَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ امْرَأَةٌ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِمْ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
ومَنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَوْدَعَنَا مَالَهُ، أَو أَقْرَضَنَا قَرْضاً، ثُمَّ عَادَ إلى وَطَنِهِ مِنْ دَارِ الحَرْبِ، بَطَلَ الأَمَانُ في نَفْسِهِ وبَقِيَ في مَالِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ، وإِنْ مَاتَ بُعِثَ بِهِ إلى وَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَهُوَ في إِحْدَى (¬7) الرِّوَايَتَيْنِ. وظَاهِرِكَلاَمِ الخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ في نَفْسِهِ ومَالِهِ ويَصِيْرُ فَيْئاً.
وإِذَا أسْلَمَ الحَرْبِيُّ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ حَقَنَ دَمَهُ ومَالَهُ وأَوْلاَدَهُ الصِّغَارَ عَنِ السَّبْيِ، فَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الحَرْبِيِّ وأَسَرَ سَيِّدَهُ وأَخَذَ أَمْوَالَهُ وأَوْلاَدَهُ ونِسَاءهُ وخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، والمَالُ له والسَّبْيُ رَقِيْقُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ وأَقَامَ بِدَارِ الحَرْبِ فَهُوَ عَلَى رِقِّهِ.
¬__________
(¬1) انظر: الإنصاف 4/ 203 - 204.
(¬2) انظر: تاج العروس 15/ 478 (ترس).
(¬3) الروايتين والوجهين 184/ ب.
(¬4) انظر: الإنصاف 4/ 210.
(¬5) انظر: شرح الزركشي 4/ 161 - 162.
(¬6) انظر: مختصر الخرقي: 103.
(¬7) في الأصل: ((أحد)).
الصفحة 213