كتاب الهداية على مذهب الإمام أحمد
وتقسم الأجرة بَيْنَهُمَا عَلَى مِثْلِ أُجْرَةِ البَغْلِ والحِمَارِ، فَإِنْ يَقْبَلاَ حَمْلَ شَيءٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ في الذِّمَّةِ فَحَمَلاَهُ عَلَى البَغْلِ والحِمَارِ فَالشِّرْكَةُ صَحِيْحَةٌ والأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
والضَّرْبُ الرَّابِعُ: شِرْكَةُ المُفَاوَضَةِ، وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلى صَاحِبِهِ الشِّرَاءَ والبَيْعَ /177 و/ والمُعَاوَضَةَ والتَّوْكِيْلَ والابْتِيَاعَ في الذِّمَّةِ والمُسَافَرَةِ بالمَالِ والمُضَارَبَةِ والارْتِهَانِ وضَمَانِ مَا يُرَى مِنَ الأَعْمَالِ، فَهذِهِ شِرْكَةٌ صَحِيْحَةٌ؛ لأَنَّهَا لاَ تَخْرُجُ عَنْ شِرْكَةِ العِنَانِ والوُجُوهِ والأَبْدَانِ، وكُلُّهَا قَدْ نَصَّ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلَى جَوَازِهَا، والرِّبْحُ فِيْهَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، والوَضِيْعَةُ عَلَى قَدَرِ المَالِ.
والضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلاَ في الشِّرْكَةِ المَذْكُوْرَةِ مَا يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَصْبٍ أَو بَيْعٍ فَاسِدٍ أَو ضَمَانِ مَالٍ أَو أَرْشِ جِنَايَةٍ، وأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا يَجِدَانِ مِنْ لُقْطَةٍ أَو كَازٍ ومَا يَحْصُلُ لَهُمَا بالمِيْرَاثِ، فَهَذِهِ شِرْكَةٌ بَاطِلَةٌ، ولِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِبْحُ مَالِهِ وأُجْرَةُ عَمَلِهِ ومَا يَجِدُهُ أَو يَرِثُهُ، ويَخْتَصُّ بِضَمَانِ مَا غَصَبَهُ أو جَنَاهُ أَو ضَمَنَهُ عَنِ الغَيْرِ.
والضَّرْبُ الخَامِسُ: المُضَارَبَةُ، وَهِيَ تَلِي هَذَا.
بَابُ المُضَارَبَةِ (¬1)
المُضَارَبَةُ: عَقْدٌ جَائِزٌ، وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ الإِنْسَانُ مَالَهُ إلى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ، والرِّبْحُ بَيْنَهُمَا يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ المَالِ بِمَالِهِ والمُضَارِبُ بِعَمَلِهِ، ومَبْنَاهَا عَلَى الأَمَانَةِ والوَكَالَةِ؛ لأَنَّهُ يَدْفَعُ المَالَ إلى المُضَارِبِ ائْتَمَنَهُ وبَأْذَنِهِ لَهُ أَنْ يَبِيْعَ وَيَشْتَرِيَ وَكَّلَهُ، فَإِذَا ظَهَرَ الرِّبْحُ صَارَ شَرِيْكَهُ فِيهِ؛ لأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ جُزْءً، فَإِنْ فَسَدَتِ المُضَارَبَةُ صَارَتْ إِجَارَةً يَسْتَحِقُّ المُضَارِبُ فِيهَا أُجْرَةُ المِثْلِ، فَإِنْ خَالَفَ المُضَارِبَ صَارَ غَاصِباً لِتَعَدِّيْهِ، ولاَ تَصِحُّ المُضَارَبَةُ إِلاَّ بالدَّنَانِيْرِ والدَّنَانِيْرِ (¬2) فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لاَ تَصِحُّ بالمَغْشُوشِ مِنْها ولاَ بالفُلُوسِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ: تَصِحُّ إِذَا كَانَتْ نَافِقةً (¬3)، وَفِي الأُخْرَى: تَصِحُّ المُضَارَبَةُ
¬__________
(¬1) ضربت في الأرض: أبتغي الخير من الرزق، وَقَالَ الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} النساء: 101، وَتُسَمَّى المضاربة بالقراض أيضاً، وَقِيلَ: هُوَ مشتق من القطع، يقال: قرض الفأر الثوب: إذا قطعه، وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة، يقال: تقارض الشاعران: إذا وازن كُلّ واحد منهما الآخر بشعره. انظر: المغني 5/ 134 - 135، والصحاح 1/ 168، وتاج العروس 3/ 239.
(¬2) كَذَا في الأصل.
(¬3) انظر: الشرح الكبير 5/ 113.
الصفحة 285