كتاب الهداية على مذهب الإمام أحمد
قَاذِفَاً لَهُمَا (¬1). فَإنْ قَالَ لامْرَأتِهِ: يا زَانِي، وَقَالَ لِرَجُلٍ: يا زَانِيَةُ. فَهُوَ صَرِيْحٌ عَلَى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لا يَكُونُ قَاذِفَاً. ومَعْنَى قَوْلهِ أنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في القَذْفِ، وإلا فَلَوْ قَالَ: نَوَيْتُ بِهِ قَذْفَهُ، أوْ فَسَّرَهُ بِالقَذْفِ فَلا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ قَاذِفَاً فَإنْ قَالَ: زُنَاةٌ في الجَبَلِ. فَقَالَ أبُوْ بَكْرٍ هُوُ صَرِيْحٌ في القَذْفِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ يَعْرِفُ اللُّغَةَ (¬2) فَقَالَ: أرَدْتُ الصُّعُودَ في الجَبَلِ. قُبِلَ مِنْهُ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ إمَامِنَا أحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ. في العَرَبِيِّ إذا قَالَ بِهِشتَم (¬3) إنْ كَانَ لا يَعْرِفُ أنَّهُ طَلاقٌ لا يَلْزمُهُ الطَّلاقُ، فَإنْ قَالَ: زَنَأتَ ولَمْ يَقُلْ في الجَبَلِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَالَّتي قَبْلَهَا (¬4)، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ صَرِيحَاً وَجْهَاً واحِدَاً، وأما الكِنَايَةُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ قَدْ فَضَحْتِيهِ /333 و/ وَغَطَّيْتِ رَأسَهُ وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونَاً وعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أوْلادَاً مِنْ غَيْرِهِ وأفْسَدْتِ فِرَاشَهُ ونَكَسْتِ رَأسَهُ، أوْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: يا حَلالَ ابْنَ الحَلالِ، يا عَفِيفُ ما تَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنَا، أوْ يَقُولَ: يا فَاجِرَةُ، يا قَحْبَةُ، يا خَبِيْثَةُ، أوْ يَقُولَ لِنِبْطِيٍّ يا أعْجَمِيُّ يا عَرَبِيُّ فَهَذَا لا يَكونُ قَاذِفَاً إلا أنْ يَنْويَ بِذَلكِ القَذْفِ فَإنْ قَالَ نَوَيْتُ عَنِ القَذْفِ وفَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ فَالقَولُ قَولُهُ في إحْدَى الرِّوايَتَينِ (¬5)، وفي الأُخْرَى جَمِيعُ ذَلِكَ صَرِيحٌ في القَذْفِ ويُلْزِمُ الحَدَّ (¬6) اخْتَارَهَا شَيْخُنَا، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إذا سَمِعَ إنْسَانَا يَقْذِفُ رَجُلاً بِالزِنَا فَقَالَ: صَدَقتَ. أو قَالَ: أخْبَرَنِي فُلانٌ أنَّكَ تَزْنِي، وكَذَّبَهُ فُلانٌ (¬7) يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَينِ (¬8)، فَإنْ قَالَ: أهْلُ بَغْدادَ كُلُّهُمْ زُنَاةٌ. لَمْ
¬__________
(¬1) انظر: المغني 10/ 216.
(¬2) انظر: المغني 10/ 216 - 217، والكافي 4/ 218، والمحرر 2/ 95، والمبدع 9/ 92، والفروع 6/ 93، والإنصاف 10/ 214.
(¬3) في الأصل "كهشتم"، ونقل عبارته المرداوي في الإنصاف 10/ 214 فَقَالَ: "قَالَ في الهداية قَالَ بهشيم "، وضبطها في المطلع1/ 335، والمبدع 7/ 274 بالحروف فَقَالَ: بكسر الباء والهاء، وهي تعني: خليتك، وهذا الإطلاق يكون بلسان العجم.
(¬4) يعني عَلَى قَوْل ابن حامد. انظر: الإنصاف 10/ 214، والفروع 6/ 93.
(¬5) ذكر أبو بكر عَبْد العزيز: أن أبا عَبْد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض. المغني 10/ 214.
(¬6) نقل حَنْبَل عن الإمام أحمد أنَّهُ لا حد عَلَيْهِ وَِهُوَ ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وروى الأثرم وغيره عن أحمد أن عَلَيْهِ الحد. انظر: المغني 10/ 213، وشرح الزَّرْكَشِيّ 4/ 56، والكافي 4/ 220.
(¬7) قَالَ ابن قدامة في المغني 10/ 216: "لَمْ يكن قاذفاً سواء كذبه المخبر عنه، أهون صدقه".
(¬8) الوجه الأول: لَمْ يكن قاذفاً كما سبق؛ لأنه أخبر أنَّهُ قَدْ قذف فلم يكن قذفاً مْنْهُ. والوجه الثاني: يكون قاذفاً ونسب هَذَا الوجه ابن قدامة لأبي الخطاب. انظر: المغني 10/ 216، والكافي 4/ 219، وكشاف القناع 6/ 112.
الصفحة 477