كتاب آراء ابن الجوزي التربوية

يكون ممدوحًا، فأما المذموم حسب المعنى اللغوي، ما جاء معناه: الفرح: "البطر. وقوله تعالى: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} (¬1)، قال الزجَّاج: معناه، والله أعلم: لا تفرح بكثرة المال في الدنيا لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة، وقيل: لا تفرح لا تأشر، والمعنيان متقاربان لأنه إذا سُرَّ ربما أشر" (¬2)، وقد قال الله تعالى في الفرح بمتاع الدنيا: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} (¬3).
أما الفرع المحمود في المعنى اللغوي، فهو كما جاء "في حديث التوبة: للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدهِ. الفرح ههنا وفي أمثاله كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى" (¬4). وقد وردت الآيات القرآنية الكريمة لتؤكد حسن هذا الفرح المحمود كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (¬5). وقوله تعالى: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} (¬6).
والفرح كغيره من الانفعالات التي إذا قلت أو زادت ضرت الإنسان، لذلك ينبغي الاعتدال فيها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إذا اشتدَّ الفرح التهب الدم، وذلك يضرّ، وربما قتل إن لم يعدل" (¬7)، ولاسيما إذا كان الباعث على الفرح متعة من متاع الدنيا، فإذا فقدها تملكه الحزن وانتابه اليأس، وقد صوره القرآن الكريم بقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} (¬8).
¬__________
(¬1) سورة القصص، الآية 76.
(¬2) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني، ص 541.
(¬3) سورة الرعد، الآية 26.
(¬4) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني، ص 541.
(¬5) سورة يونس، الآيتان 57 - 58.
(¬6) سورة الإنسان، الآية 11.
(¬7) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص 125.
(¬8) سورة هود، الآيتان 9 - 10.

الصفحة 167