نفس، فتحمله على طلب المعالي، وتمنعه ركوب الدنايا، فتراه يحب أن يكون رئيس الصبيان، فإذا ترعرع كان الأدب شعاره من غير تعلم، والحياء لباسه من غير ترهيب" (¬1).
وكما يتأثر سلوك الطفل بدرجة ذكائه، فإنه يتأثر بقلة ذكائه وصعوبة تعلمه، وسوء تقديره السلوك الصالح، ويصور ابن الجوزي هذا النوع من الأطفال بقوله: "ومن الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه، وعدم تعلمه، أذى الصبيان، فهو يؤذيهم. ويسرق مطاعمهم، ويستغيثون من يده، فلا هو صلح، ولا فهم ولا كف عن الشر" (¬2). وهذا نتيجة قصور فهمه عن إدراك نفعه، فإنه سلك سلوكًا سيئًا.
ثم بين ابن الجوزي الطريقة التي يستدل بها على علو همة الطفل من ضعفها. فقال: "ويتبين فهم الصبي وعلو همته وتقصيرها باختياراته لنفسه، فإن الصبيان تجتمع للعب، فيقول عالي الهمة من يكون معي، ويقول قاصر الهمة من أكون معه، ومتى علت همة الصبي آثر العلم" (¬3).
وهذا يبين أن ذكاء الطفل دفعه إلى سلوك طريق أصحاب الهمم الكبيرة، والآمال العريضة.
ثالثًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة البلوغ والشباب
سبق أن ذكرنا أن ابن الجوزي قال عن هذه المرحلة: "الموسم الثاني: من زمن البلوغ إلى خمس وثلاثين سنة وهو زمن الشباب" (¬4). ووضحنا ما يقابلها في علم النفس التكويني وما اختلف عنها -في تقدير ابن الجوزي- من دمج مرحلة البلوغ والشباب في مرحلة واحدةٍ، وهي في علم النفس الآن تمثل مرحلتين: المراهقة من 12 - 21 سنة، ثم
¬__________
(¬1) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص 138.
(¬2) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص 306.
(¬3) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب. التحفة البهية والطرفة الشهية. ص 59.
(¬4) المرجع السابق، ص 5.