كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها
الحَسَن ومن الاستعارة قولهم: "زالَتْ رحالةُ سابح" كناية عن المرأة تستعصي على زوجها. قال الشمّاخ1:
وكنتُ إذا زالت رِحالَةُ سابحٍ ... شَمِتُّ به حتَّى لقيتُ مِثالَها
وكانت امرأته نَشَزَتْ عليه، وذلك قوله2:
ألا أصبحتْ عِرْسي من البيت جامحاً ... بغيرِ بَلاءٍ سَيِّئٍ ما بَدا لَها
باب الحذف والاختصار:
ومن سنُن العرب الحذف والاختصار، يقولون: "والله أفعلُ ذاك" يريد لا أفعل. و"أتانا عند مَغيب الشمس. أو حين أرادَ. أو حينَ كادت تغرب" قال ذو الرّمة3:
فلمّا لَبِسْنَ الليلَ أو حين نَصَّبتْ ... له مِن خذا آذانها وهو جانِحُ
ومنه في كتاب الله جل ثناؤه: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَة} 4 أراد أهلّها. و {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} 5. و"بنو فلان يَطَؤُهم الطريق" أي أهله. و"نحن نَطأُ السماء" أي مَطرها. و {عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} 6 أي من آل فرعون. و {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ} 7 أي ضِعفَ عذابِها. و {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} 8. ومثله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} 9 أي فضرب فانفلق. ومنه {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} 10 أراد الثناءَ الحسن. ومنه {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ} 11 معناه: فإذا عزم الأمر كَذبُوه.
__________
1 ديوانه: 289، وفيه: "رحالة صاحب شتمت به".
2 ديوان الشماخ: 287. وفيه: على غير شيء أي أمر بدا لها.
3 ديوان ذي الرمة: 55.
4 سورة يوسف، الآية: 82.
5 سورة البقرة، الآية: 197.
6 سورة يونس، الآية: 83.
7 سورة الإسراء، الآية: 75.
8 سورة النعكبوت، الآية: 5.
9 سورة الشعراء، الآية: 63.
10 سورة يس، الآية: 26.
11 سورة محمد، الآية: 21.