كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها

باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل:
تقول: "سِرُّ كاتم" أي مكتوم. وفي كتاب الله جل ثناؤه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} 1 أي لا معصوم و {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} 2 و {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} 3 أي مَرْضِيٍ بها. و {جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} 4 أي مأموناً فيه ويقول الشاعر5:
إنَّ البَغيضَ لَمَنْ يُمَلُ حديثُه ... فانقَعْ فؤادَكَ من حديث الوامِقِ
أي المَوْمُوق. ومنه6:
أناشر لا زالَتْ يمينُك أشِرَة
أي: مأشورة.
وزعم ناس أنّ الفاعل يأتي بلفظ المفعول به. ويذكرون قوله جلّ ثناؤه: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} 7 أي: آتياً. قال ابنُ السِّكيت: ومنه "عيْشٌ مغبون" يريد أنه غابِن غيرَ صاحبه.
باب آخر:
من سُنن العرب وصفُ الشيء بما يقع فيه أو يكون منه، كقولهم: "يومٌ عاصِف" المعنى: عاصفُ الرّيح. قال الله جلّ ثناؤه: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} 8 فقيل: عاصف لأنَّ عُصُوفَ ريحه يكون فيه. ومثله: "ليلٌ نائم" و"ليل ساهر" لأنه يُنام فيه ويُسَهرْ
__________
1 سورة هود، الآية: 43.
2 سورة الطارق، الآية: 6.
3 سورة الحاقة، الآية: 21.
4 سورة القصص، الآية: 57.
5 ديوان جرير: 314. وفيه: إن البلية من ... فانشح فؤادك ...
6 مجمل اللغة مادة: "أشر" بلا عزو. وفي لسان العرب: مادة "أشر", وصدره:
لقد عيل الأيتام طعنة ناشرة
والأشر: البطر.
7 سورة مريم، الآية: 61.
8 سورة إبراهيم، الآية: 18.

الصفحة 168