كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها

مُحكَم. ووضعهم "فَعِيلاً" في موضع "مَفْعِل" نحو: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} 1 بمعنى مؤلم وتقول2:
أمِنْ رَيحانَةَ الداعي السميعُ
بمعنى: مسْمِع.
ومن ذلك وضعُهم: "مفعولاً" بمعنى "فاعل" كقوله جل ثناؤه: {عَذَابٌ أَلِيم} 3 أي ساتراً، وقيل: مستوراً عن العيون كأنّه أُخْذَةٌ لا يُحِسُّ بها أحد.
ومن ذلك إقامة الفعل مقام الحال كقوله جلّ ثناؤه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} 4 أي مبتغياً. وقال5:
الرِّيحُ تَبكي شَجْوَهُ ... والبرقُ يَلمعُ في غمامهْ
أراد: لامعاً.
باب من النظم الذي جاء في القرآن:
من نظم كتاب الله جلّ ثناؤه الاقتصاص, وهو أن يكون كلام في سورة مقتصاً من كلام في سورة أخرى أو في السورة معها. كقوله جلّ ثناؤه: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} 6 والآخرة دار ثواب لا عمل، وهو مقْتَصُّ عن قوله: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا} 7. ومنه قوله جلّ ثناؤه: {وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} 8 مأخوذ من قوله
__________
1 سورة التغابن، الآية: 5. وسورة المجادلة، الآية: 4.
2 ديوان عمرو بن معد يكرب: 140، وعجزه:
يؤرقني وأصحابي هجوع
3 سورة الإسراء، الآية: 45.
4 سورة التحريم، الآية: 1.
5 هو ابن مفرغ الحميري، ديوانه: 218. وفيه:
... تبكي شجوها ... والبرق يضحك في الغمامه
6 سورة البقرة، الآية: 130.
7 سورة طه، الآية: 75.
8 سورة الصافات، الآية: 57.

الصفحة 181