كتاب سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام (اسم الجزء: 1)
وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً، وقال: لقد علمتم أني أكثر من قريش مالاً، ولكني أتيته -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيء والله! ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة- قرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)} حتى بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)}، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب" (¬1).
عباد الله! ظن كفار مكة أن الأنبياء طلاب دنيا، يريدون بدعوتهم الدنيا الفانية، ولذلك تقدموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه المحاولة، وهي إغراؤه بالمال، والملك والرئاسة، والسيادة، ولكنهم فشلوا في ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجبهم إلى طلبهم.
ثانياً: انتقل كفار مكة إلى محاولة ثانية ألا وهي ما يسمى بلغة العصر "تقارب الأديان"
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن قريشاً وعدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه (أي: يسوده) فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمَّد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: "وما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة! فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حتى أنظر ما يأتي من عند ربي"، فجاء الوحي
¬__________
(¬1) انظر "فقه السيرة" للغزالي (ص 107)، "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 159 - 162).