كتاب شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة
ويتمثل قوته تعالى:
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (¬1).
فإذا هو آية فريدة من آيات الخلق الرباني، يسع الناس بخلقه العظيم، فلا يقابل إساءتهم بإساءة، بل يقابلها بخلق العفو والعرف والإعراض عن الجاهلين، ويدفعها بالتي هي أحسن:
فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابى فجبذه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفث إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء)) (¬2).
وبلغ من أصالة خلق العفو وعمقه في نفسه الشريفة أنه عفا عن المرأة اليهودية التي أهدت إليه شاة مسمومة، وذلك فيما رواه الشيخان وغيرهما أن امرأة يهودية أهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة مسمومة، فاأكل منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكل رهط من أصحابه معه ثم قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أمسكوا فإنها مسمومة)). وجيء بالمرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها: ((ما حملك على ما صنعت؟)) قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه، ولن تضرك. وإن لم تكن نبيا استرحنا منك. قالوا: ألا نقتلها؟ قال: ((لا))، وعفا عنها.
ولما عصت دوس، وأبت الإذعان لأمر الله - صلى الله عليه وسلم - رسوله، جاء الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن دوسا قد عصت وأبت،
¬__________
(¬1) فصلت: 34.
(¬2) متفق عليه.