كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

(وتصوم) من الصوم؛ وهو لغة: الإمساك، وشرعًا: إمساكٌ مخصوصٌ.
(رمضان) صريح في عدم كراهة إطلاق ذلك مطلقًا، وهو الأصح، وقيل: يكره مطلقًا، وقيل: إن لم تدل قرينةٌ على أن المراد غير اللَّه تعالى؛ لأنه من أسمائه، ويرده الأخبار الصحيحة: "إذا جاء رمضان. . فتحت أبواب الجنة" (¬1)، وزعمُ أنه من أسمائه تعالى غيرُ صحيحٍ، كيف ولم يرد فيه إلا أثر ضعيف؟!
وأسماء اللَّه تعالى توقيفيةٌ لا تطلق إلا بخبر صحيح، بل لو صح فيه الخبر. . لم تلزمه الكراهة؛ لتوقفها على النهي الصحيح. ذكره المصنف (¬2)، ونازعه بعض الشُّرَّاح من المالكية بما لا ينفع دليلًا؛ إذ حاصله: أن أئمتهم لا يقولون شيئًا إلا بدليل وإن لم يعلم.
وسمي شهر الصوم به؛ لأنهم لما أرادوا وضع أسماء الشهور. . وافق اشتداد حرِّ الرمضاء فيه، وهو مبنيٌّ على أن اللغات غير توقيفية، والأصح: خلافه.
(وتحج البيت) أي: تقصده بنسك حج وعمرة؛ إذ هي واجبةٌ أيضًا عندنا للخبر الصحيح: هل على النساء جهاد يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، جهادٌ لا قتال فيه؛ الحج والعمرة" (¬3)، فهو صريح في وجوبهما، وما عارضه محتملٌ فقُدِّم هذا عليه، ثم رأيت ابن حبان زاد في روايته: "وتعتمر وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء" وقال: تفرد بهذا سليمان التيمي (¬4).
(إن استطعت إليه سبيلًا) أي: طريقًا؛ بأن تجد زادًا وراحلةً بشروطهما المقررة في محلها، وصح عند الحاكم وغيره: أنه صلى اللَّه عليه وسلم فسر بهما السبيل في الآية (¬5)، لكن ضعفه آخرون، فلا يجب على عاجزٍ عن مؤنته أو مؤنةِ مَنْ تلزمه مؤنته، ولا على عاجزٍ عن الراحلة إن كان بينه وبين مكة مرحلتان وإن قدر على
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري (1898)، ومسلم (1/ 1079) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(¬2) انظر "شرح صحيح مسلم" (7/ 187 - 188).
(¬3) أخرجه ابن ماجه (2901)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 350)، والدارقطني في "سننه" (2/ 284) عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي اللَّه عنها.
(¬4) صحيح ابن حبان (173) عن سيدنا ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
(¬5) المستدرك (1/ 441 - 442) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.

الصفحة 149