كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

الغير آمنًا من تكذيبه، أو للصيرورة كأنه صار ذا أمنٍ من أن يكذبه غيره، ويضمن معنى (اعترفَ) و (أقرَّ) فيُعدَّى بالباء كما يأتي، و (أذعنَ) و (قَبِل) فيُعدَّى باللام؛ نحو: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}.
وشرعًا: التصديق بالقلب فقط؛ أي: قبوله وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى اللَّه عليه وسلم كما سيأتي بسطه، ثم ما لوحظ إجمالًا كالملائكة والكتب والرسل. . كفى الإيمان به إجمالًا، وما لوحظ تفصيلًا كجبريل وموسى والإنجيل. . اشترط الإيمان به تفصيلًا؛ حتى إن من لم يصدق بمعينٍ من ذلك. . فهو كافر.
وهذا الذي قررته هو معنى قول بعض الشراح: (يجب الإيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل إيمانًا كليًا، فمَنْ ثبت بعينه وباسمه كجبريل. . وجب الإيمان به عينًا، ومَنْ لم يعرف اسمه. . آمنَّا به إجمالًا، وكذلك الكتب والأنبياء والرسل؛ مَنْ علم اسمه. . وجب الإيمان بعينه، ومَنْ لا. . آمنا به إجمالًا) اهـ
ولا يكفي لوجوب الإيمان بشيءٍ معينٍ حتى يكون إنكاره كفرًا ثبوتُهُ، بل لا بد من تواتر وجوده حتى يقطع به (¬1).
وحد الإيمان بما ذكرناه هو مختار جمهور الأشاعرة، وعليه الماتريدية (¬2)، وقيل: يشترط أن ينضم لذلك إقرار اللسان وعمل سائر الجوارح، فيكفر من أخلَّ بواحدٍ من هذه الثلاثة، وهو مذهب الخوارج، فلا صغيرة عندهم، وقيل: يعتبر ضمهما إليه على وجه التكميل لا الركنية، وهو مذهب المحدثين؛ لأنه صلى اللَّه عليه وسلم فسَّره في حديث وفد عبد القيس، وحديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الآتيينِ بما فيهما (¬3).
وما يروى: أن الإيمان إقرار باللسان، وعمل بالأركان، واعتقادٌ بالجَنَان إنما هو من كلام بعض السلف، وقيل: هو التلفُّظ بالشهادتين، ثم إن طابقه تصديق القلب. .
¬__________
(¬1) في هامش (غ): (كالإيمان بالنبي خالد بن سنان الذي بُعث بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فإنه ثابتٌ لكن لا بالتواتر، فليس قطعيًا، فراجعه). فلا يكفر بإنكار الظنيات، وإنما يكفر بإنكار القطعي.
(¬2) قوله: (وعليه الماتريدية) أي: أكثرهم، فلا ينافي قوله الآتي: (ونقُل عن أبي حنيفة واشتهر عن أصحابه) اهـ "مدابغي"
(¬3) انظر ما سيأتي (ص 167 - 168).

الصفحة 151