كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

ومن ثَمَّ صح: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (¬1) أي: لئيم بن لئيم.
وصح أيضًا: "من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار" (¬2).
وقد بالغ صلى اللَّه عليه وسلم في روايةٍ في تحقيرهم، فوصفهم بأنهم صمٌّ بكمٌ (¬3)؛ أي: جهلةٌ رَعَاع، لم يستعملوا أسماعهم ولا ألسنتهم في علمٍ ونحوه من أمر دينهم، فلعدم حصول ثمرتي السمع واللسان صاروا كأنهم عدموهما؛ ومن ثَمَّ قال اللَّه تعالى في حقهم: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} قيل: فيه دليلٌ لكراهة تطويل البناء. اهـ (¬4)
وفي إطلاقه نظر، بل الوجه: تقييد الكراهة -إن سُلِّمت؛ لما يأتي لا لهذا، فقد مر أن جَعْلَ الشيء من أمارات الساعة لا يقتضي ذمه- بما لا تدعو الحاجة إليه، وعليه يحمل خبر: "يؤجر ابن آدم على كل شيءٍ إلا ما يضعه في هذا التراب" (¬5).
وخبر أبي داوود: أنه صلى اللَّه عليه وسلم خرج فرأى قُبةً مشرِفةً، فقال: "ما هذه؟ " قالوا: هذه لرجلٍ من الأنصار، فجاء فسلَّم على النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فأعرض عنه، فعل ذلك مرارًا، فهدمها الرجل (¬6).
وخبر الطبراني: "كل بناءٍ -وأشار بيده هكذا على رأسه- أكثر من هذا فهو وبالٌ" (¬7).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمار بن أبي عمار قال: (إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة
¬__________
(¬1) أخرجه الترمذي (2209)، والإمام أحمد (5/ 389) عن سيدنا حذيفة بن اليمان رضي اللَّه عنهما.
(¬2) أخرجه الحاكم (4/ 554) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما بنحوه.
(¬3) وهي رواية الإمام محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (367) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما من حديث طويل؛ واللفظ فيه: "وأن ترى الصم البكم العمي رعاء الشاء يتطاولون البناء ملوك الناس. . . ".
(¬4) قوله: (الكراهة تطويل البناء) أي: كراهة تنزيه؛ لأنه متى أُطلقت الكراهة. . فالمراد بها ذلك. اهـ "مدابغي"
(¬5) أخرجه البخاري (5672)، والترمذي (2483) عن سيدنا خباب رضي اللَّه عنه بنحوه.
(¬6) انظر "سنن أبي داوود" (5237) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.
(¬7) المعجم الأوسط (3105) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.

الصفحة 183